|
كلمة الشاعر عبد القادر الحصني في احتفال الأونسيكو لمناسبة توقيع كتاب " شِقشِقة قلم" للشيخ فضل مخدر
بلى. إنها شقشقة قلم، توزّعها المناسباتُ على كثرتها، وأملاها مقامُ المقال في طبيعة كلّ مناسبة على حِدَتِها.. فكانت أشتاتاً، كما النجوم في السماء لمن تملاها في طيلسانها، وكانت محكماتٍ في أفلاكها ومجرّاتها لمن هاء له أن يراها منظومات في قوانينها. ولعلّ ما اختاره صاحبها منها، أعني مما ورد تحت عنواناتها، قد نحّى ما فرّقته المناسبات في مراياها، وسجم ما وحّده القلم من رؤها، فإذا هي مختلف في مؤتلف. ولعلّ ما ألّف بينها أن صاحبها قد خصّته الحياة بما جعله صقيلاً شفافاً، ورقراقاً عذباً، ومنداحاً كما أمواج الضوء والصوت، فما نأمت من نأمه، وما شقشقت من شقشقة إلا وتلقّاها بتلك الخواص التي اختصّ بها، فإذا نحن أمام متماهيين إلى درجة كبيرة جداً: سامع ومسموع، وإذا بهما من جديد شقشقة واحدة في قلم واحد: الطائر على مطلّ غرفته المفتوح على الأخضر الفاتن، نفّره دويّ بندقيّة حاقدة. ابن خاله في أنينه، بعد أن طوّح به غضب الجمل، وأدماه، وكاد أن يوديَ به. صفعة جدّه لذلك الجمل عند مصطبة الساحة. شقشقة الجمل غضباً وندماً حتى الموت. كل تلك الأصوات.. وأصوات وأصوات وأصوات أخرى، شقشقت، ورنّت، وزغردت، ولعلعت، وأنّت، وأعولت، وأرعدت، وهدرت، حبّاً وفرحاً وألماً وندماً وغضباً في مداد ذلك القلم الذي أتاحت لنا شقشقته صفحاتِ هذا الكتاب. فماذا قال هذا الكتاب؟ قال ما قال.. وبودّي أن أقول، هنا، ما لم يقله عن نفسه صراحةً. في نظرة ترصد من هوامش الكتاب ما أشار إلى مناسبات ما كُتبت كلماته ومقالاته له، نجد العدد الأوفر من هذه الكلمات والمقالات، قد جاء في حفل توقيع كتاب أو في تقديم أمسية شعريّة أو في تكريم شخصيّة إبداعيّة، وإذا ما أمعنّا النظر في عنوانات تلك الكتب وأسماء أصحابها والأماكن التي ألقيت الكلمات والمقالات فيها، وجدناها لكتبٍ وكتّاب متعدّدي المذاهب والأدبيّة والمشارب الثقافيّة والانتماءات الإنسانيّة، الأمر الذي ينمّ على أن صاحب كتابنا كان معنيّاً بشقشات الأقلام على اختلافها عناية قريب، يؤهّله قربه منها لأن يشارك في تقديمها للناس إبّان صدورها.. فمبارك شيخ رحب صدره لكلّ هذه الأقلام ولكلّ هذه الكتب ولكل هؤلاء الكتّاب.. وما هذا بغريب عليّ منه. فمنذ تعرّفت إلى الشيخ فضل شاعراً في مهرجان الشعر العالميّ بموريتانيا من عامين، عرفت فيه هذه المميّزة الإنسانية التي تجمع بين وقار رجل الدين والتزامه وبين انفتاحه على الآخرين في همومهم وشؤون حياتهم ما اقترب من هذه الهموم والشؤون منه وما ابتعد منها عنه. فرصيده الوجدانيّ الضخم كان ينبئ عن مقدرته على المشاركة في كلّ ما يدور.. فكان ما عنده له، وكان للناس كافةً. أمّا إذا تجاوزت المناسبة والهامش، وانتقلت إلى المتن، فإنّني واجد في النصّ ما وجدته في الشخص، آية ذلك في ما اشتمل عليه الكتاب من معاناة الهمّ الاجتماعيّ والموقف الفكريّ والنقد السياسيّ، في لبوس من لغة اعتدّت بالفصاحة والبيان، وشطأت إلى التعبير بالمجاز حين رأت في المباشرة ما لا يؤثّر ولا يبلغ. وقد عوّلت في مجازها على الطبيعة بحيويّة معجمها وجمالية مشهديتها، وبذلك أفصحت اللغة عن وجدانها بما يؤنس النفس، ويفتّح المشاعر، ويرقى بالروح إلى أفق استجلاء النور على عتبة الوصال الأجمل ما بين الإنسان وربّه، يقول: " لا أهذي.. ولست أغالي.. فإن صدى النغم المبتسم على ثغر الطير.. وحفيفَ الريح بأوراق الشجر.. وأنفاسُ العشب ورحيقَ الورد.. وطقطقة الحجر المتراخي يتدهدى من أعلى التلّ ليقبِّل كفَّ الحقل أو يتمسَّح برذاذ الينابيع المتناثر على ضفاف الغدران.. أو يعانقَ نمير السواقي.. لا تعدو أن تكون صلوات أو روحَ عبادة.. أو تسبيحاتٍ لا نفهم معناها" ص 114 هكذا إذاً. فالأرض كلّها بما تحرّك فيها وسكن مجلس جميل لإقامة صلواتنا، ولا تسألأ عن شكل هذه الصلوات من عطف عليها عطف اختيار روحّ العبادة، فقال "صلوات أو روح عبادة".. وقال في ملمح من ملامح طفولته وصباه مع أقرانه: " وأورع ما في تقاسيم براءة وجناتنا.. أننا لا نعرف عدّ الوقت.. فليلنا عتمة ونهارنا ضياء وصبح.. وشمسنا خلجات أجراس الكنائس وصوت ذلك المؤذّن على وسادتنا.. فنتسلّل من تحت لحاف الدفء، كتلك الدمعة تنساب على خدّ جدّتنا.. وهي تنأى بصليب أو سجّادة صلاة في زاوية فجر" ص 115 وكما جاز بنا الكاتب هذا المجاز الجميل باللغة من التقرير إلى التصوير، جاز بنا في الأسلوب من حدود الجنس الأدبيّ الواحد إلى كتابة فيها ملامح من أجناس أدبيّة عدّة.. ففي هذا الكتاب قصٌّ وحوارٌ ولوحات شعريّة، وفيها ما يخطر من خاطرة في المقال.. ضرب من الكتابة ممتع، ينهل من فنون القول مجتمعةً، ويصدر عن الحياة وما يمكن أن تهب من طاقة لمن يريد الحريّة.
وبعد. ففي الكتاب رسالة، فحواها كلمة واحدة، هي الحبّ. ففي شقشقة هذا القلم ما هدأ منها وما هدر، وما ترنّم واضطرم، نفس تنساب مع غبطتها، وتنصبّ مع غضبها، ولكنّها قبل ذلك وبعده تبوح بدفئها الإنسانيّ المركوز على قيم الحثّ والخير والجمال. وإذا كانت المناسبة لا تتيح الدراسة وما يمكن أن تتّسع له، فلا أقلَّ من أن أقول إن نصوص هذا الكتاب لها مقيّدٌ ومطلق. أما مقيّدها فيقول ما أرادت من معنى، وأمّا مطلقها الذي يقول معنى المعنى فإنّه يفصح عن عاشق كبير في جلباب هذا الشيخ الجليل.
|