|
يالا تنامْ ريما يالا يجيها النّومْ
يالا تحبّ الصَّلا يالا تحبّ الصُّومْ
يالا تجيها العوافي كلّ يوم بيومْ
صباحا، كانت الساعة تُشير إلى السابعة . و"لينا" لا زالتْ ممدّدة كنهر قبل الشروق . تسلّلتُ خلسة لأكتب لها ورقة، ضمّنْتها هاتفي الجوال وعنْواني، وخرجْتُ .
كانت العاصمة لا زالتْ لم تدبّ الحياة فيها ... وفي اتّجاه نزل أفريكا بشارع بورقيبة، اِعْترضتْني سيّدة يبْدو من ملامحها أنها مومس، أكملتْ مُهمّتها الهادفة هذا الصباح، أو أطردها أحدهم بعد أنْ نَهَل من لحمها الغضّ .
رائحة الخمر لا زالتْ تعْبق، رغم محاولة عطرها الصارخ أنْ يسْترها
ويسْتر رطانتها . قالتْ وهي تحاول أنْ تسْتوقفني :
ـ صباح الخير
ـ صباح الخير
ودون أنْ أتوقّف أو أترك لها فرصة أنْ تُضيف، واصلتُ سيْري غير مُبالي . مقارنا بين سيّدة في فلسْطين تنْفجر من أجل قضاياها، وأخرى في تونس تنْفرج من أجل الدولار أو من أجل شهوتها .
وحدّثْ ولا حرج عن الطالبات ونساء النزل والأحياء الراقية والمومسات المُنْتشرات في المقاهي والفضاءات العموميّة والطرقات أينما سرتَ .
اِقْتنيْتُ صحيفة تونسيّة وعلبة سجائر، ودخلتُ مقهى أفريكا .
عدد الرواد لا يزيد عن العشْرة، والنادل يتنقّل بأناقة تسْبقه اِبْتسامة ما عهدْتها عنْد نادل .
المكان يُعْطي اِنْطباعا بالراحة والهدوء . وبعيدا عنْ أعين تعْرفكَ أو تعْرفها . لا أحد من أصدقائي أو رفاقي يعرفني أرْتاد هذا المكان، ولم أدْخلْه إلا مرّة واحدة مع سيّدة تعرّفْتُ عليها وأضعْتها .
فور جلوسي، وصل النادل مُبْتسما :
ـ صباح الخير .
ـ صباح الخير ... "قهوة" من فضلك .
ـ حاضر .
فتحْتُ الصحيفة على أخبار عهدْتها ... ولا شيء تحت الشمس .
لا أذكر أني قرأتُ خبرا مُهمّا بصحيفة تونسيّة، عدى أخبار الرياضة .
فيما سحبْتُ سيجارة لأشْعلها، وصل النادل ... رتّب القهوة بأناقة وانْصرف. فيما أكملتُ تصفّح الجريدة مُدجّجا بالنقمة والكره :
صفحة الغلاف تتصدّرها بعض صور اِختيرتْ من مقابلات كرة القدم، وأخرى صورة لمُصاب فلسْطينيّ من بيت حانون ( هكذا قالوا ). فيما تحضر صورة صدام حسين أسفل الصفحة متْبوعة بنبوءة مُنجّم مغربيّ " صدام سيموت مسموما بأيادي أمريكيّ " .
وفهمتُ أنْ لا شيء يسْتحقّ الاِهتمام، في صحيفة كغيرها من الصحف الملأى بخزعبلات السياسيين وانجازاتهم التاريخيّة وصور كرة القدم وأخبار النجوم والمنجّمين .
شرعتُ أتصفّح الورقات دون اِهتمام ثمّ ألقيت الصحيفة جانبا،
وقدْ مثل أمامي مواقف الزعيم بورقيبة الصائبة .
كيف اِختار ذلك الزعيم أنْ يساند الحلفاء في الحرب العالميّة الثانية، وكيف كان قادرا على التوقّع بهزيمة المحور .
تذكّرتُ موقفه من الحرب الفلسطينيّة الإسرائيليّة، وكيف طالب العرب بقبول قرار التقسيم الذي فرضتْه الأمم المتّحدة، ورفضه العرب جميعا . ورغم الإتهامات المختلفة بالخيانة والاِنهزاميّة، إلا أنّ التاريخ أثبت صحّة مواقفه من الأحداث .
الغريب أنّ كلّ الرؤساء، يدّعون الحكمة والديمقراطيّة والدفاع عن حقوق الإنسان ودعم قضايا الشعوب و ..
تخيّلتُ طفلا منحه الخالق قدرة المعرفة والكلام منذ يومه الأول، وتمّ وضْعه في قاعة ملأى بالشاشات التي تبثّ قنوات عربيّة مُخْتلفة .. طبعا سينْتشي هذا الطفل، ويقف مهللا بجمال هذا العالم ... إنها الجنّة ..سيعتقد لا محالة أنه وُلد في الجنّة على خلاف خلق الله جميعا .
كلّ الأمور على ما يُرام: حكامنا وشعوبنا ولا شيء يُقلق راحة هذا المواطن العربيّ عدى أنّ دولته لا مشكلة لها .
أفقْتُ من حلم اليقظة على النادل يفتح جهاز التلفاز، على قناة الجزيرة القطريّة، حيث ينْقل مراسلها من طهران آخر أخبار الجدل القائم بين إيران والغرب حول الملفّ النوويّ .
حين أكمل، اتّصل معدّ البرنامج هاتفيا بمحلل سياسيّ عربيّ يُدافع عن إيران، مُعتبرا إياها مُنْقذ الأمّة من أعدائها . كان يدافع بحماس منْ يُدافع عن أمّه وهي تُغتصب .
لحظتها جالتْ بخاطري فوضى من الأحداث والمواقف والتحاليل، لم أسْتطع ترْتيبها :
مثلتْ الفتْنة الكبرى والحسن والحسين وعليّ وعائشة وعثمان وقتل الصحابة غدرا أو ردّة ...
حضرتْ حضارة الفرْس وتاريخ الشيعة والشاه والحرب العراقيّة الإيرانيّة ...
حضرتْ الأحياء والمدن الشيعيّة في العراق، وحَضَر حزب الله وحسن نصر الله والخميني ..
حضرتْ طنب الكبرى وطنب الصغْرى وأبو موسى ...
حضر سليمان رشدي وفتوى الخميني بقتْله ...
تأمّلتُ ذلك المحلل الأنيق بربْطة عنق أمريكيّة، وبدلة أنيقة من محلات باريس الفاخرة، مُضافا إليها لباقته وقدرته على المُناورة بلهجة عربيّة منمّقة بكلمات انجليزية ليكتمل مشْهد المثقّف العضْوي .
تأمّلتُ ... وكدتُ أنْ أصْفعه بمنْفضة السجائر التي أمامي ... غير أني تراجعْتُ، مُشْفقا عليه وعلى أمثاله :
أحدهم بزيّ شيوعيّ اِهتَرَأ، ولفّه الصدأ، لا زال يلوك خطابات لينين وماركس وتروتسكي وبيانات الحزب الشيوعي، ويحلف بماو ويعظّم فيدال كاسترو ...
أحدهم بزيّ القوميين العسْكريّة، يزور قبر عبد الناصر أو يغرق في ترهات عصمت سيف الدولة أو يتباهى بنظريات ميشال عفلق ...
أحدهم بجبّة عثمان، ولحية عمر عبد الرحمان، يخطب في الناس زورا وبهتان، ويُدافع على تعدد النساء وزواج المتعة، وينادي بولاية الفقيه ...ولا فقيه ولا هم يفقهون .
ومن تبقّى فشعارهم عاش الملك، مات الملك : مرّة في خانة الأمريكيين الأحرار، وأخرى مع التطبيع وضمّ دولة اليهود إلى الجامعة العربيّة، وطورا في حظيرة السلطة، يتمعّشون من لحمها الغضّ، قبل أنْ تسْقط بموت الملك أو بالاِنقلاب عليه . لينْقلبوا كما اِنْقلبوا، وكأنّ شيئا لم يكن .
تذكّرْتُ أحدهم، لا أسْتحضره ـ ربما أحد المعْتوهين أو العاقلين، وهو يقول :
ـ أنا أنتمي لحزب الديك .
ـ وما حزب الديك ؟
ـ أنْ تأكل وتشْرب وتتدرّب على كره الوطن .
ـ ( أجبتُ مُسْتغربا ) وهل كره الوطن يسْتحقّ الدربة ؟
ـ بالطبع ... مثلما تتدرّب على حبّ اِمرأة، تساعد نفسك وقلبك على أنْ تحبّها أو تتقرّب منها . بالمثل تتدرّب على كره الوطن ... بمعْنى، تساعد نفسكَ وقلبك على أنْ تكرهه وتبْتعد عنه .
ـ بصراحة لا أعرف أحدا يكره الوطن . قد يكره الساسة أو الوضع العام أو أيّ شيء ... لكن الوطن مقدّس .
ـ ( ساخرا ) الوطن الذي أعنيه أنا ليس الوطن الذي فهمْته .لذلك أنا أنتمي لحزب الديك الذي له مفهوم خاص للوطن ...
لم يتْرك ليَ النادل أنْ أسْتحضر بقيّة الحوار، حين اِقترب من الطاولة يرفع الفنجان بعد أنْ نفذتْ قهوتي .
انْتصبْتُ واقفا .. ناولْته ثمن المشْروب، وانْصرفْتُ دون أنْ أنتبه أنني نسيتُ الجريدة سهوا أو مُتعمّدا .
|