يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قراءة في كتاب

 ما نعرفه نصف الحقيقة وما نخشاه نصفها الآخر 

"جـمرات مـن ثـلـج"

رواية للدكتورة مها خير بك ناصر

علي دهيني

 

غلاف الرواية سُئلت يوماً أن أعلق حول ثلاث أنماط تتداولها الألسن والأقلام في مجال الإبداعات الروائية أو القصصية ، وهي القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة.. والرواية. أوجزت تصوري البسيط الخالي من التعقيد، بـ : القصة "القصيرة جداً" هي الصورة الشخصية لصاحبها (صورة جواز السفر أو البطاقة الشخصية). "القصة القصيرة" صورة صاحبها وهو يجلس في مكان تحيط به بعض الأشياء. "الرواية" هي صورة صاحبها يقف في مكان يشرف منه على كل مشهد المدينة بكل ما فيها.

رغبت أن أستهل قراءتي لرواية "جمرات من ثلج" للاستاذة الدكتورة مها خير بك ناصرالصادرة في بيروت عن دار الهلال، بهذه المداخلة، كي أتمكن، على ضغف إمكاناتي النقدية أمام مكانة الكاتبة، من الدخول إلى ما سجلته من إشكالات قد لا تبدو ظاهرة للعين الخاطفة، بين سطور الرواية التي رغبت الكاتبة أن تستعمل في سردها لغة التشويق وربط الخيوط بقدرة العالم اللغوي المكين في علمه (وهي أستاذة في علم النحو)، ناهيك عن قدرتها في جعل المتلقي يذهب مع بطلة روايتها في إرهاصات الهواجس التي أحاطت كل حركات البطلة بحيث لا يكاد يخلو سطر من سطور الرواية تحضر فيه البطلة، إلاّ والقلق والتساؤل جليسها ومحدثها.

بعد إهداء تفتتح به الكاتبة صدر روايتها الأولى، تعبّر فيه ببسمة دامعة على شمعة غفيّت عيونها عن هذه الحياة في وقت مبكر:"إلى رفيق الشوق والحلم.. إلى ملهمي ومعلمي.. الراحل المقيم.. ولدي حسان"، تنقل في روايتها قصة من واقع الحياة أنتجتها دورة من دورات الحرب الإسرائيلية على العرب عموماً وعلى لبنان بخاصة، فالتقطت ذاكرة الكاتبة تلك القصة والقت بها أمام أفهامنا  لتكشف لنا عن واقع نعيشه جميعاً دون أن نكتشف أنه حالة مرضية، حيث بات، مع تراكم الأحداث، حالة نمطية طبعت حياتنا وأصبحت أمراً عادياً يغيب عن بالنا صعوبة الخروج منه.

إن الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان هو من أصعب أنواع الصراعات التي يمكن أن تواجهنا في حياتنا اليومية، ومن أشرس عناصر الدهم التي تقتحم قرارنا، فتحيلنا أسرى بين الإقدام والتراجع لنجد أنفسنا ندور في حلقة الحيرة وأسر التسربل.

 

حديث النفس المؤرق

غالباً ما تعمد هواجس القلق والخوف وعدم الاطمئنان إلى خلق نوافذ تجعلها متنفساً لها يقيها شر التفجّر غير المتوقع، فنستعيد صور أشخاص فقدناهم، أو نولد من رحم الخيال شخصيات تعيش في ذاكرتنا، فنجسدها في وعينا الوهمي ونحركها في رجاءات آمالنا لنودع في تفاصيلها ما أقلقنا وما أهجسنا من خلال حالة الصراع بين الخوف والأمان. " خجلت من كلامي، وأنّبت لساني، وتساءلت عن مدى مصداقية كلام الهادي، هب صحيح أنه رآني في الحلم؟ شعور غريب لوّن حزني بشيء من الشعور بوجودي. هناك أناس يحلمون بي!"(ص 39). وكأنها استعادات أيأسنا ذهاب توهجها لأيام تواجدها. حتى باتت هذه الذاكرة مسكونة بما أوجسها أن تتجرأ على توليد حلم واعد، " أيها العقل المشحون بالرفض، والمنتصر على أحقية الشك بتغليب اليقين"(ص23).

القلق.. هذا المدخل الذي تواجهنا به الصفحات والسطور الأولى، أو الهاجس الذي لا يستكين، وهو المرادف الطبيعي لهذا القلق، وحذرالخوف من الإنهيار والاستسلام أمام ما نصادفه أو نواجهه، هو المنتج الطبيعي لأبويه السابقين: القلق والهواجس. وبذات الوقت علينا أن نتمسك ما استطعنا بمقومات شخصيتنا حرصاً على تفككها أمام تناهش الأحداث لها.

لن أكتب تلخيصاً للرواية ينهي الهدف من قراءتها، إنما سأقرأ ما بين سطورها، وعبر الشخصية المحورية التي تنقل صراعاً نفسياً خلقته التناقضات التي يعيشها  المواطن العربي على أي بقعة جغرافية على امتداد هذا الوطن، قد تتبدل أسماء المعضلة التي يصادفها الفرد في أي مجتمع أو بيئه، إلاّ أننا جميعاً نرزح تحت غموض أوجبته المعطيات الحياتية بكل وجوهها : السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والصحية، وحتى على مستوى الأخلاقيات في العقائد والنزاهة في التعامل معها.

أيضاً لن أقرأ بلغة أكاديمية تمنهج الجمل وتسلسل الموضوع وتعيد المتلقي تلميذاً يتعرف على مفردات "فضاءات النص" أو "الخط الدرامي" إلى ما هنالك من مصطلحات لا يحتاجها القارىء العادي والذي هو غالباً المقصود في إي إبداع. ولا قراءة سيميائية لها دورها الكبير في تشريح وتعليل كل نص أدبي وإبداعي ولها اختصاصيوها. رغبتي أن أكون قارئاً ينمي ذاكرته المعرفية وذوقه الأدبي من خلال عمل إبداعي روائي دوره الأول أن يكشف مكامن الخلل في البيئة الاجتماعية ويؤشر إلى المظاهر السلبية فيها، أو ينقل صورة تتجسد فيها حياة إنسان، وفي نفس الوقت أن يغرس في ذاكرتي فهماً يساعدني على تقييم ما يجري حولي بما يساعدني على تصويب أخطائي أو يرفدني بما يساعدني في اتخاذ قرارت حياتي.

ولعلي سأبتعد ـ كعادتي ـ عن أسلوب المقارنة بين ما بين أيدينا وبين ما نعرفه عن نظير سواه، لأن من حق ما بين أيدينا وكاتبه أن يكون الحديث عنهما منفردين لذاتهما، وليس مَعْبَراً ولو على سبيل المقارنة، وهذا لإيماننا بتوارد الأفكار وتشابهها عند كل مبدع، في مواقف تفرض نفسها على الكاتب.

إذن البناء الروائي في هذه العمل قام على المباشرة والواقع، بعيداً عن استحضار الخيال إلاّ ما يحتاجه السرد الروائي لجهة توفير مناخ تقديم المادة ومضمونها، ومن الناحية الإنسانية، على إظهار المعاناة التي تخلفها الحروب، والآثار النفسية والاجتماعية التي تبقى ولا تزول بالرغم من زوال الأسباب السياسية التي ربما تذيبها المصالح والعلاقات الدولية. هذه الآثار تخلق حالة من الإرباك تسيطر على كل مقومات العقل، ليتولد عنها، ربما، حالة من الإزدواجية النفسية يتبادلها أبناء أي مجتمع بكل مآسيها، دون أن تحسب في خانة الربح والخسارة أثناء الحروب وعند المتحاربين.

إن مخلّفات الحروب التي شنتها إسرائيل على الدول العربية، كان أوسعها وأشملها العام 1967 وفي العام 1973 ، بعد نشوء هذه الدولة الصهيونية بفعل حروب سابقة عاشتها المنطقة كلها على مر قرنٍ بكامله، وصولاً إلى حروبها مع لبنان بخاصة في الأعوام 78، 82، 96، ودورها في الحروب الداخلية على المستوى الفلسطيني ـ الفلسطيني ، أو اللبناني ـ الفلسطيني أو اللبناني ـ اللبناني، الذي كانت تظهر من ورائه الأصابع الصهيونية العابثة.. لغاية العام 2006 وما مرّ بين هذه الأعوام نتيجة تصدي المقاومة لهذا العدو وحربها معه طوال أكثر من ربع قرن مما أمكنها أن تسجل عليه أول انتصار عربي في العام 2006، في كل تاريخ هذا الصراع.

هذا ما أضاءة حوله الكاتبة في روايتها من باب التأريخ وتثبيت الذاكرة صونا للمستقبل في جدلية فكرية لم تخلوا من تسجيل ملاحظات مباشرة ونقد دقيق لحالات أفرزتها مآسي الحروب فجاءت نتيجتها تفسيخ في العقد الآجتماعي، وفي العلاقات العقائدية بخاصة، هنا ينطرح سؤال إشكالي عبر الرواية: "هل التسمك بالعلاقة مع الأرض والمبادىء اللذين يشكلان قناعاتنا ويحكمان سلوكنا الرافض لغير العمل بهما هو سبب ما يصيبنا؟" (ص114).

في "جمرات من ثلج" تمكنت الدكتورة مها أن تؤشر لهذا كله من خلال مأساة إنسانية أنتجتها هذه الحرب، تستذكرها في عيون ومراجعات وشواهد وإفرازات. وهي لم تشأ أن تعين بلداً أو منطقة جغرافية بعينها، إنما استحضرت كل الأماكن التي طالتها الوحشية الإسرائيلية بقوتها النارية والتدميرية، للأرض وللإنسان.

وجاء سردها الروائي ليظهر الآثار النفسية جنباً إلى جنب مع الآثار الاجتماعية التي أنتجتها الحروب، وحال التفكك الأسري نتيجة الهجرة والبحث عن البيئات الآمنة إجتماعياً وإقتصادياً بغرض تأمين تكوين المجتمعات الصغيرة التي تكاد الحروب أن تقضي عليها، فكانت الهجرة مثلاً سبيلاً لتأمين مصادر مقومات الحياة وسلامة الأجيال للمستقبل، بالرغم من التعصب للعلاقة مع الأرض بكل معاني الالتزام والإيثار والتضحية بالغالي في سبيلها وما ترمز إليه من علاقة مع الجذور والأصالة من خلال العلاقة مع الأهل. بل الهوية الشخصية التي أبرز عناوينها الكرامة.

أيضا الهجرة على سبيل التحصيل العلمي، لأن الحروب من أكبر خسائرها إغلاق مصادر المعرفة من مدارس وجامعات. وهذا بخلاصاته البعيدة المدى، إفراغ المجتمعات من قواها الإبداعية وجعلها مستسلمة ابدا لخنوع الاستهلاك وبعيدة عن قدرة الآنتاج والإبداع، وهذه من أخطر مخلفات الحروب، فتخبرنا الدكتورة مها في روايتها "جمرات من ثلج" أن الإرادة الحيّة في إكمال المسيرة أخذت الكثيرين إلى بلاد الإغتراب أملاً في التحدي الأكبر من خلال السعي لمستقبل أفضل.

هذا ما نكتشفه من خلال سيرة (منى وطارق) و(الهادي ومريم).. ناهيك عن بقية الأسماء ذات الأدوار التي محورها جميعاً "ميس" الاستاذة الجامعية التي لا تفارق السطور متنقلة بين حسان وزوجته والهادي وقضيته (ضياع يوسف)، ومنى وما لاقته.... وهنا نفهم أن كل هذه الشخصيات تلتقي لا شعورياً بواقع الغربة الذاتية والغربة المكانية، والقلق المستمر، والخوف الذي توزّعها يمنة ويسرى، حيث العودة دائماً إلى أصل المشكلة وهي الحرب وما تسببه من مآسي.

وعبر هذه الشخصيات نجد الكاتبة أفرزت نمطاً معيناً من أنماط الحياة، حركت فيها الشخصية. وهي إن رغبت أن تفلسف كل وجه من الوجوه وتعطيه بعداً خاصاً في تقبلّه لواقعه في الحياة، أصرت أن تجعل الوجه الإنساني هو الأبرز كونه موصول من جهة بالأخلاق ومن جهة بطبيعة الفطرة التكوينية لكل فرد في بيئته أو في بيئات أخرى وجد نفسه في داخلها، ليس عن طريق الاغتراب الطوعي، كما طارق ومنى، إنما قضية يوسف وحضوره القسري في بيئة غير بيئته.

الأسطورة والدين حضرا في الخلفية كمؤثر ومتدخل في قرار الواقع وقراءته، وليس من خلال المعتقد والقناعة، برغم الاستسلام لهما أحياناً أو الاستعانة بهما " على الرغم من أن ألكثيرين يتشاءمون من يوم الأربعاء، وبخاصة إذا وقع فيه تاريخ الثالث عشر، ولكنني لم آبه لهذا التوافق في حياتي إلاّ هذا اليوم الأربعائيّ المبهم الطالع، ووبخت نفسي وأنا أحضر قهوتي الصباحية"(ص22). أو مثل استعارة الإسم "يوسف" الذي أفقِدَ عنوة كما ذكر القرآن الكريم، ولم يُفقد صدفة كحال بطل روايتنا هذه. "هذا الموروث يتسلل إلينا كلما حاولنا التحرك في زماننا الحاضر".(ص129). وتستحضره الكاتبة حين ترسل ميس نصيحة إلى الهادي : "يجب أن تتحرر من سلطة الوهم"(ص65).

هنا يتداخل سؤال حول استحضار إسم "يوسف" بالذات، إذا كانت الدكتورة مها خير بك ناصر التي أختارت اسم يوسف بطلاً لروايتها لتقارب مأساته مع مأساة سميّه كما أخبر عنها القرآن وضياعه أو تضييعه، تلتقي مع الدكتورة شادية شقروش استاذة السيميائيات في جامعة تبسة في الجزائر، التي تعتبر أن يوسف شخصية مؤسطرة عبر التاريخ ؟ أم أنها وجدت في هذه الشخصية ما وجده غالبية الشعراء في استحضارهم ليوسف وقصته، كرمز للمأساة أو الطهر والتعفف، أو الجمال الذي يجعل من صاحبه ضحية.. وهي قد ألبست بطل روايتها شيء من هذا.؟

أيضاً، لم تشأ الكاتبة أن تعبر، أو تغفل، بعض الموضوعات ذات الصلة في العلاقات الاجتماعية التي أفرزتها الحرب وجعلتها الأحداث والنزاعات السياسية محل اهتمام ودراسة في اتخاذ أي قرار، أكان على الصعيد العام أو على الصعيد الشخصي، كما في طائفة "طارق" وطائفة "منى"، فدخلت إلى تسميات المُختلف، بين شيعي وسني ودرزي ومسيحي، ولكن بغير ابتذال المأخوذين بعاطفية الانتماء، إنما بوعي المدرك للحقائق الإنسانية الحية.

كذلك حول دور المرأة كعنصر موازٍ من خلال الدور الطبيعي له "دور المرأة الحقيقي هو في التربية"(ص80). ولكن سرعان ما تظهر أن المرأة وإن حصر دورها في التربية والأسرة، لكنها حين يتطلب منها حضورها في ميادين أخرى فهي جديرة وموضع ثقة كما يفهمنا ذلك الحوار بين منى وزوجها (ص82).

حضرت المرأة بكل ثقلها، بدءا من جعلها المحور ونقطة الارتكاز في كل الرواية، وأنها البيت الآمن لأسرار الحياة، وهذا هو دروها في الحقيقة والواقع، وهي لم تتبنى أناوية عنادية في إسناد هذا الدور لها، بحيث نراها أكثر من مرة أخلبت قلبها حباً أو حركت غيرتها ضمناً.. وبذات الوقت اعترفت أن في أساس دورها الإدارة المنزلية " دور المرأة في تربية الأولاد". ولكنها لا تنكر أن للمرأة دور ريادي إذا فرضت الظروف عليها تحمل كامل المسؤولية، مثل منى بعد وفاة زوجها، كان عليها أن تقوم بدور الأبوين معاً، وهذا كله إغناء للصورة الإنسانية وقيمة الوجود الحق للتمييز بين الأدوار دون أن يكون تزلفاً أو انتزاعاً.

هذا ما سيجده القارىء في رواية "جمرات من ثلج" التي هي عنوان هذه السطور. وقد أظهرت من خلال سردها كل هذه الآثار، التي تسببت بما سيكتشفه القارىء، من إرباك في القرار والتفكير بشكل منطقي وسليم.

 

بين الطبع والتطبع

لم تترك الكاتبة سردها للأحداث والوقائع دون التأشير لعلاقة الفلسفة الإنسانية  والعقائد الفكرية دون أن تتعاطى مع إفرازاتها وتؤشر من خلالها إلى قناعاتها. فالموضوع المحوري، الرئيسي، الذي سنكتشفه في خاتمة هذه الرواية، هو قراءة الكاتبة لحالة نعيشها اليوم على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والإنسانية بخاصة، ناهيك عن دورها الاقتصادي الذي لم يظهر بوضوح، إنما كان في خلفية كل العناصر التي سبقته. القصة تظهر إنسانية العلاقة بين الناس، وإلى أي مدى يمكن أن يذهب المرء في هذه العلاقة. "تمنيت لحظة سماع كلام صموئيل، "السيد حسان له موقع محترم في قلبي" أن أكون قريبة منه على لأقبّل رأسه الذي أنقذ أخي، ولكن...هل من المقبول أن نحبّ من يقتل أبناءنا ويهدم قرانا؟ ولكن ما ذنبه؟ هذه سياسة إستعمارية ومن المحتمل أنّه لم يزر فلسطين المغتصبة"(ص48).

إذن هنا تطرح الرواية موضوع التطبيع وقدرته التأثيرية على الطبع. وهو الآن من أهم الموضوعات التي تلهج بها ألستنا على مختلف الأصعدة، ولو أن الكاتبة دخلت إلى الموضوع من باب العلاقة الإنسانية، لكنها لم تنس أن الحروب وأن السياسات بحكم مسار الحياة وتكوين المجتمعات البشرية والعقود الاجتماعية، هي خلاصات لعلاقات إنسانية. وهي بالتالي وجدت أن الرابط الإنساني يقوم على البديهيات الفطرية إلى أن تجيء المكتسبات بتراكماتها المتواترة، لتشكل مفاهيماً ومسلمات تتحول إلى بديهيات يتحرك فيها الإنسان وإوجدت في نفسه نمطية يتعامل معها كواقع يصعب تجاوزه.

إن موضوع الطبع والتطبع شغل أفكار الفلاسفة والمنظرين من أصحاب علم الكلام، ناهيك عن علم النفس وعلم الاجتماع وكل مسارات علم الإنسان، ولم يهتد هؤلاء جميعاً إلى قرار يقفون عنده بحكم نهائي يحدد قوة المكتسب على الموروث، اللهم إلاّ من بعض خلاصات كان الزمن يفرض إعادة قراءتها من خلال الظروف المعيشية التي يتقادم عليها الإنسان بين فينة وأخرى. أو كما شرحها البعض من أبناء ثقافتنا بأن الإنسان مسيرٌ وليس مخيراً بأفعاله، يعمل بحسب ما هو مكتوب على جبينه منذ ولادته، بحسب قول الأشاعرة ومعهم الجبريون. فيما يقول المعتزلة بانه مخيرٌ وليس مسيراً لأنه يملك العقل والإرادة الحرة التي تجعله مسؤولاً عن أعماله لأنه يملك العقل الذي عليه أن يميّز من خلاله الصواب من الخطأ..

هذه الفلسفة قاربتها الدكتورة مها بين سطور روايتها وهي تتحدث عن قصة رجل فرقت بينه وبين أهله الحرب ليجد نفسه في أجواء بيئة وتربية وعقيدة غير بيئته وعقيدته وتربيته، فماذا كانت النتيجة، وإلى أي مدى أمكن تغلب التطبع على الصبع.

وجدلية أخرى، وهي هل الغلبة كلية أم جزئية، وكيف ينهزم التطبع أمام الطبع أو العكس، قدمت الدكتورة حيثيات محورية لعب الموروث النفسي فيها أكثر من الموروث الثقافي، والانتماء البيئي أو الوطني أكثر من العقائدي والديني، مما جعل الحفاظ على الطبع إمكانية محكومة بظروف معينة، وكذلك التطبع إمكانية مؤثرة بحدود معينة. ويظهر هذا في حديث "صموئيل" مع "حسان" بحيث يظهر له أنه ليس وحده من حافظ على موروثه، إنما "أمه" التي أخبرته فيما بعد أنها أماً ثانية له، هي من ساعده على الاحتفاظ بموروثه، طبعاً هنا الموروث حدد بالعلاقة العاطفية مع الجذور.  

حالة صراع بين الطبع والتطبع، للقارىء أن يستخلص من بينها أيهما أقوى في ذاكرة الإنسان. بل، إلى أي منهما يعود الحكم النهائي. وسنكتشف على مدى صفحات هذه الرواية ان هذا اللبس أو هذه الإشكالات التي يخوضها الفكر الإنساني منذ القديم هي وراء الكثير من الهواجس والقلق وعدم الاستقرار.

وهنا نتساءل حول يَمكنة التطبيع ويمكنة الإنسلاخ الثقافي المتأصل في جيناتنا وسيطرته على سلوكياتنا برغم تواجدنا الشكلي او الفعلي، في سلوكيات مجتمعات وثقافات أخرى.؟

ايضاً، إلى أي مدى يمكن أن تكون إنسانيتنا متجردة من موروثات حملتها ذاكرتنا منذ اللحظة الأولى لدخولنا المدار الأرضي للحياة.؟

ولكن هل الجدلية الفكرية وحدها يمكن أن تقلق العقل أو تثير هواجسه؟ يأتي الجواب في الرواية أن العلاقات الاجتماعية تشكل سبباً من أسباب الاستقرار أو عدمه وهذه بديهية، الأزمات الاقتصادية، الصراعات السياسية والعسكرية، العقائد الدينية والمذاهب الفلسفية، حتى الروابط الأسرية.. كل هذه المُعاشات في حياة الإنسان، جعلته كتلة من الهواجس، القلق، الحيرة، التسربل، الشك، الضياع، الاستسلام...

في "جمرت من ثلج" نجد أن الكاتبة أبرعت في إظهار كل هذه العناصر عبر لسان وعقل بطلة روايتها، بالرغم من أنها أظهرت روح النرجسية عند الإنسان القلق وكأنها من عناوينه الرئيسية، ولعلها في إشارة خفية، رغبت أن تؤشر إلى أن هذه الحالة جاءت من خلال ضعف الشخصية الذي أنهكتها كل العناصر التي ذكرناها، او أن موجبات الحاضر والتعامل مع الآخر في مكانية معينة هي التي تجعل الفرد يتجلبب هذه المظاهر سعياً للحفاظ على مكانته.

فبطلة الرواية لا تكاد تظهر شيئاً من التواضع حتى تتوثب نرجسيتها رافضة هذا التنازل فتعيدها إلى ما يجعلها في المكانة التي ظنت أنها يجب أن تحافظ عليها. وكأننا في هذه الجدلية التي يفتقدها الحوار بين ميس والهادي تعاين حالة أفرزتها ذاكرة ترزح تحت وطأة حالة من الشيزوفرينيا بين واقع نرجوه وذاكرة قلقة تبحث عن وسادة من الأمان ترتاح عندها (ص 65-66).

فحين توغل الكاتبة في روايتها تشريحاً وتقطيعاً من خلال كشف المعاناة النازفة في أكثر من مجال في حياة المجتمع، تحاول أن تبدي وجهة نظر سياسية ترى أنها مفيدة في تصحيح المسيرة، أو على الأقل تشكل بداية لمسيرة جديدة، نجدها أيضاً وقعت في الإرباك الذي اتخذ من ذاكرتها موقعاً له وحصّن نفسه بحيث يمكنه مشاركتها كل ما تودّ طرحه، أو كل وسادة اطمئنان ترغب الإيواء إليها.

هنا لا أدري إلى أي مدى يمكن أن نستعير التناص الشعري لنحاكي من خلاله شخصية الروائي أو نعاين نصّه مع الواقع الذي نثره على وقائع الرواية.

 

الموروث الثقافي

شبكة أخرى من الإشكالات تتبدّى خيوطها من بين سطور الرواية تتعلق بالموروث الثقافي وعلاقته بتطبيع حياتنا الحاضرة غير المتوائمة فعلاً مع كل متطلبات هذه الثاقفة.

يبدو أن الدكتورة مها في روايتها شاءت ـ ببراعة ـ أن تنقل تلك الهواجس وحالة القلق التي باتت ملازمة لكل تحركاتنا، جسدياً وفكرياً، نتيجة ما عانيناه من أحداث موضعية أو ما نعيشة من صراعات وتناقضات على المستوى العربي العام، إلى قارئها لتؤكد أن وباءً أصاب هذه الأمة، ليس من اليسير التخلص منه.

هذه الهواجس والأفكار الذاتية المقروءة من والى النفس، لا تكتفي بأن تربك سبيل المفكر أو تهدي ذاكرته إلى قرار يستكين ويطمئن معه لبعض الوقت، فهو إن خلا من إشغال العقل بما يدور فيه، ينتقل إلى أرباك الذاكرة في الركون أو القناعة برؤية فلسفية أو نظرية سياسية يؤمل منها تصحيح وضع اجتماعي قائم أو تصحيح بنيوي ينقل المجتمع من حالة الاستهلاك إلى ضرورة الانتاج. أو من حالة التقليد إلى حالة الإبداع.

ثم يأتي الموروث الثقافي وأثره في موضوع التطبيع، فهل الموروث الثقافي، بما فيه من تسليم بالغيبيات والتسليم بما لا نرى ولا ندرك بالعين المجردة والضمير الديني هو الذي يحول دون ترسيخ قناعات التطبيع وتغيير الطبائع؟ أم أن أسبابه الثقافية تعود إلى أن الضمير الأخلاقي الذي تربى على نمطية قبول ورفض معينة حملها الإنسان بفطرته الأولى، هي التي تشكل المحكمة المالكة لاتخاذ القرار؟

بطلة الرواية لا تريد أن تتخلى عن موروثها العقائدي برغم كل مآخذها على بعض ترجمات نصوصه، وتعتبره المقوم الأول الذي تقوم عليه شخصيتنا الأخلاقية، وبالتالي، لا بد، هو الذي يقرر قبولنا لهذا الآخر وعدم قبولنا به.

تعترف، قد نتجانس معه في مصطلح العقد الاجتماعي البيئوي، لكن لا بدّ أن يكون لنا استقلاليتنا الفكرية التي منها تكونت في الأصل شخصيتنا.

وهنا يجيء تساؤل من بين سطور الرواية: هل من الطبيعي أن نبني حياتنا ونهدر طاقاتنا بسبب غيبيات ورثنا التعلق بها وتحولت إلى إدراك يعوّدنا ويقرر مصيرنا؟ هذه إشكالية التفسير وليس الموروث في أصوله. في جانب آخر نرى من خلال علاقة منى بزوجها استغراق في المثالية لم تحد عنه الكاتبة في كل تعاملها مع بطلة الرواية، حتى بات هذا الاستغراق وكأنه السبب الدافع لكل هذه الهواجس، وهذا ما يدعونا إلى التساؤل حول قدرة الجمع بين مفهومين وقناعتين وفكرين في عقل واحد.(ص81).

رؤية جميلة جداً برغم أن غيرها قال فيها، لكنها في إبرازها لها تؤكد ضرورة التلاقي بما ينمي القدرات عند كل أصحاب الفكر التي تلتقي غالباً في مقدماتها، برغم بديهية الاختلاف في تفصيلتها، لأن في قناعاتها لا خلاف في الأصول، وأن منشأ الأصول واحد، أكان في العقائد الدينية السماوية أو الفلسفات الوضعية، كون هذه الأخيرة لا تختلف في الإنسانيات والأخلاقيات مع الأولى.

ميل آخر يفرضه العقل، وهو يعيد أسباب هذا القلق والإرباك الظني للذاكرة، إلى المكتسب، بما فيه من تناقضات مادية أم عاطفية، يحتاجها الإنسان في دائرة حياته ذهاباً وإياباً، فتغيّب هذه الحاجات الهدوء النفسي الذي كرسته الموروثات الثقافية.

إذن الإشكالية التي تطرحها الكاتبة هنا مغلفة بأسماء عدة بما فيها ذات الكاتب، تستدعي البحث عن هذا الهاجس الذي اختبأ في كل سطور الرواية. عدا أن مثل هذه الإشكاليات قد تقودنا إلى طرح علاقة العلم بالدين، كما إشكالية علاقة الموروث بالمكتسب حين يكونا خطان متساويان لا يلتقيان.

إن العلاقات الإنسانية، أو التي نسميها العلاقة مع الآخر، قد نجد الكثير من التفسيرات لما تنطوي عليه أفهامنا، وهي حقيقة يصعب التجرد معها لأنها محكومة دائما بالموروث وهذا يشكل البوصلة الذهنية لقراءة هذا الآخر.

وعلى سبيل المثال لا يمكن أن أفهم العلاقة مع البوذية أو الكونفشيوسية أو الماجوسية أو غيرها من الفلسفات التي أصبحت عقائد ولها أتباع، كما أفهم اليهودية التي أشكلت العلاقة معها من خلال الموروث العقائدي رغم اعترافي بأنها مساوية من حيث الوجود لذات الثقافة التي أنتمي إليها بالمصدر.

هذا الموروث هو ما انفطرت عليه قلوبنا من خلال ما تراكم عليه من مكتسب طبّع شخصيتنا بمسلمات باتت هي السبيل الذي يبني ضميرنا في تعاملنا، وهذا الضمير هو الذي بات يستقبل الوافد إلى ذاكرتنا ويتعامل معه من خلال هذا التقدير بحسب ما قاله الغزالي، فإلى أي مدى يمكن أن تكون العلاقات الإنسانية مجردة بعدما أثبتت الأيام صعوبة الركون والاطمئنان إلى الموروث الطبيعي في تنمية العلاقة مع الآخر. وفي أي اتجاه يجب أن تسير: "إنه حديث ممزوج بالقلق والحيرة، فهذا المتحدث، كما يوحي اسمه، طبيبٌ يهوديّ، ولقد أخبر بعضهم عن خبث اليهود وتقربهم من العرب لمآرب شخصية، وقال بعضهم، أيضاً، إنّ الأطباء اليهود يتمظهرون بتعاطفهم مع المريض العربي، ولكنهم يضمرون في نفوسهم الضرر الصحي له، غير أنّ هذا الكلام ليس دقيقاً"(ص42). والمنطق يقول إن غير الدقيق يجب تحرّي حقيقته.!

الشك.. التساؤل القلق.. الحذر.. هو اللازمة الدائمة حين يتحرك الموروث في اتجاه الواقع، يصارعان دون هوادة، ذاك بشواهده وذاك بمداركه، والمسرح هو هذا العقل الذي أثقل بكل ما يحيط به، "لم ينته حديث الأنا والأنا"(ص40).

وإذا كان الموروث في القواعد المُشكّلة لذاتنا الفكرية، برغم حصانته العلمية، يحمل معه متعلقات تأسطرت عبر الأجيال، ودخلت إرهاصاتنا النفسية واتخذت لنسفها مكاناً قصياً فيها، تظهر وتتحرك حيثما شاء لها حين تضعف نفوسنا ونشعر بالوهن، تأتي هذه المتعلقات لتسرح بين تناقضات أفكارنا برغم أنها خارج قناعاتنا: " غير أن الجدل بين نفسي ونفسي لم يُحسم، فالاستنكار الأكثر إيذاء نطقت به ذات تعي نفسها:

ـ متى كنتي سخيفة، أيتها الأنت؟

فأجابت أخرى تعي تاريخ موروثها:

ـ الحذر واجب، والاندفاع تهور، والمعتقدات تحصنها الوقائع..."(ص22).

في هذا التعريف لتحصين المعتقدات عبر وقائع ممارساتها العملية من خلال الشعائر أو من خلال التواصل مع الآخر انطلاقا من معتقدات نفسية وفكرية يجب أن تخرجنا من دائرة هواجسها التي تمتد على عدد سطور الرواية.

السرد والحوار

بالرغم مما حاولنا الإضاءة عليه في الرواية، إلاّ انها زاخرة بمضمون يمكن العودة إليه في أكثر من موضوع. لكننا قد نأخذ على الرواية الاسترسال في السرد وإظهار صيغ التبرير لهواجس "ميس" في كل أحاديثها مع الآخرين، وحتى مع نفسها، ناهيك عن أن الحوارات تكاد تأخذ من قيمة وقائع القصة، وبخاصة حوارت "ميس" مع "الهادي" التي فيها كثير من المثالية الإنسانية المفرطة حتى حدود الملائكية!

كذلك حالة النرجسية أو الدونية المتمظهرة بثوب التواضع في كل أفكار "ميس" التي ما أن تُبرز وجهاً من الوجوه المحيطة بها بمنعة علمية أو إنسانية أو أخلاقية، حتى تسارع إلى إهباطه من خلال أن ما تملكه هي أكبر وأسمى، مستحضرة حديث العقل أو حديث النفس لتظهر لنا هذا ولتبقى في المرتبة التي تجد نفسها بها. حتى في حواراتها التي لم نجد في تطويلها سوى كيل المدائح والثناء المتبادل بين "ميس" و "الهادي" إلى الاستغراق القوي في المثالية.هنا وكأننا، مع الكاتبة، نخشى أن ينكشف ضعفنا أمام الآخرين.

وشيء هام في التقطيع الروائي أنه قارب حد السيناريو بحيث أهّل هذه الرواية أن تكون عملاً فنياً جميلاً يحمل مضموناً لا شك يترك أثره في عين المشاهد.

 


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • أراء خاصة
  • مواضيع المجلة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • فيافي الأقلام
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية
  • إصدارات
  • كلمات في الخاطر

      الجديد :



 الرحيل...

 مقاومة بالمحكي

 تواشيح الورد أنموذجا

 الكاتب والشاعر محمد الدسوقي في قصيدته أرأيتم دمشق:

 أرأيتم دمشق ..؟!

 أرملة العنكبوت للقاصة هيام الفرشيشي: لعبة الكتابة والتلقي

 رواية طمارة كما شاءت.. لمراد البجاوي

 روعة يونس في أعلى من سماء:

 تقديم كتاب: تعارضات المركز والهامش في الفكر المعاصر

 سليمان العيسى... وريث النكبات وشاعرها


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 شـاعر الألـم وكاتبـه فـؤاد سـليمان

 الربيع العربي

 رسالة رد إلى بغداد:

 التحيز الأيديولوجي في التمثيلات الخطابية الغربية

 الشجرة الحزينة

 علي القاسمي يلقي مرساة الغربة في رواية مرافئ الحب السبعة

 حين طوقوا أعناق المدن.

 مناجم حسن عبد الله ولغته العارية: «ظل الوردة» .. الاستفزاز لا الضجيج

 الى كل من لم يقتنع بنظرية المؤامرة بعد

 العقل والكسب عند الأشاعـــرة


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

نعتذر من زوار موقع دليل الكتاب

D a l i l    A l  K i t a b   .   N e t

عن توقف الموقع بسبب التحديث

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
dalil-mag@hotmail.com


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net