يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



أبحاث ودراسات

 القصة القصيرة الحديثة 

عرض تأريخي

By
 هربرت ارنست باتيسHerbert Ernest Bates

ترجمة

محمد نجيب لفته السعد*

يعتبر تاريخ القصة القصيرة قصير جداً، فهو يمتد فترة مائتي سنة إذا حددنا بدايته مع ريتشاردسن Richardson. إن تاريخ القصة القصيرة - عبر مراحل الأسطورة والخرافة والمثل والحكاية الرمزية والنادرة والمقالة التصويرية والمقالة الوصفية الأدبية، نزولاً الى ما تنشره العديد من الصحف لا يمكن حصره. يعتبر الوصف في سفر التكوين للصراع بين قابيل وهابيل قصة قصيرة. ان الحكاية الرمزية للابن المبذر قصة قصيرة، وهي في حد ذاتها مثالاً رائعاً للأنضغاط على مر العصور. وتعتبر قصص سالوم وروث وجوديت وسوزانا جميعاً أمثلة لفن قديم ومتحضر ومتطور كثيراً عمره يمتد بضعة آلاف من السنين قبل رواج قصة باميلا.
إذن لدينا نقطة نبدأ منها دراستنا لتاريخ القصة القصيرة ؟
الجواب المحير هو أن تاريخ القصة القصيرة، وكما نعرفه، ليس بالواسع وإنما هو تأريخ قصير. يقول أ.ج.ج راتكلف A.j.j Ratcliff إن القصة القصيرة - بالمعنى الدقيق للكلمة - عمل أدبي مخطط له، وليست حكاية مباشرة لحادثة أو حوادث، ينتمي الى العصور الحديثة. تقول اليزابيث بووين "ان القصة القصيرة فن يافع. إنه، كما نعرفه، وليد هذا القرن". سأضيف الى ذلك فقط رأياً سبق أن قلته مفاده "إن تاريخ القصة القصيرة الإنجليزية قصير جداً، لسبب بسيط فحواه أن القصة القصيرة لم يكن لها تاريخ قبل القرن التاسع عشر".
عليه ستتطرق هذه المقالة الى ذلك الجانب من جوانب القصة القصيرة – الى التطور الذي شهدته خلال المائة سنة الأخيرة، وبتحديد أدق، خلال الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة. من الواضح في هذه الحالة، أن لا تتطرق المقالة الى أمور عديدة. ستتناول المقالة جزء صغيراً من تطور القصة الذي يمتد الى فترة الفي سنة. وسنحلل فقط جزءاً يسيراً من المادة التي ستغطيها المقالة.
كتب ديكنز قصصاً قصيرة، لكنه وبقدر تعلق الأمر بهذا العرض، كان من الأفضل له لو أنه وفّر حبره. كتب ميريديث وثاكيري وعديد من الروائيين الانكليز خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قصصاً قصيرة أيضاً، لكنهم غالباً ما يعيدون الى الذهن الطبق الذي يُشكَّل من فضلات اللحم المتروك. كتب هنري جيمس قصصاً قصيرة لكننا سنتطرق الى تأثير فنه وليس الى أنجازات ذلك الفن. كتب كبلنغ قصصاً قصيرة لكن قيمة هذه القصص أقل من القصص التي كتبتها أسماء أقل شهرة أمثال كوبارد وكاترين مانسفيلد وبريتشيت ودوروثي أدواردز وكاترين آن بورتر ومالاكي وايتيكر ومانهود وسين أوفاولين وأخرين. كتب جيمس جويس رواية عوليس. لكن مجموعة "ناس من دبلن" القصصية ستبدو في هذا المجال ذات أهمية أكبر. سيعتبر سومرست موم كاتباً أفضل من كبلنغ وأحياناً أنموذجه الأقرب لكنه يعتبر أقل براعة من جويس الذي تعتمد شهرته الواسعة على مجموعة وحيدة ورقيقة رُفضت فترة طويلة. وسينظر الى أو.هنري بأعتباره واحداً من مجموعة كتاب القصة القصيرة الأمريكيين الذين خلقوا القصة القصيرة خارج روسيا خلال القرن التاسع عشر. وهكذا دواليك.
تستوقفنا دائماً في عروض القصة الحديثة حقيقة أن الشهرة أقل أهمية في العادة من الفن. يقدم الكاتب المجهول وغير المحترف قصة جميلة وعظيمة أيضاً. يتكلم الصوت مرة واحدة بعدها يخرس. لكن حدود القصة القصيرة ربما ستتوسع بمقدار مهم من خلال هذا الإنجاز الوحيد وتظهر من جديد مرونة الفن غير المحددة. إن الأساس لكل مناظرة أو استنتاج أتوصل اليه هو البديهة بان القصة القصيرة يمكن ان تكون أي شيء يقرره الكاتب. يمكنها أن تكون أي شيء ابتداء من موت حصان الى أول علاقة غرامية لفتاة شابة، ومن الصورة الوصفية الأدبية (العجالة) الجامدة الخالية من الحبكة الى نظام يتكون من حدث وذروة ويتحرك برشاقة، ومن قصيدة نثرية مرسومة أكثر منها مكتوبة الى أنموذج التقرير المباشر الذي لا مكان فيه للأسلوب أو اللون أو التفصيل، ومن المقطوعة التي تمسك كالشرك بالتقزح الصافي والشفاف للعواطف التي لا يمكن قياسها أو الإمساك بها فعلاً الى الحكاية الجادة التي يقاس فيها الحدث والعاطفة وردة الفعل بصورة كاملة وتثبت وتمعجن وتصقل وتوضح لمساتها الأخيرة مثل منزل جيد البناء مصبوغ بثلاث طبقات من الصبغ اللماع الثابت.
في الواقع يكمن سبب عدم تعريف القصة القصيرة بصورة واضحة في مطاطيتها غير المحددة. قُدمت تعريفات عدة ومازالت تعريفات أخرى تقدم. عرّف ويلز القصة القصيرة بأنها أية قطعة لعمل قصصي قصير يمكن قراءتها في نصف ساعة. وقال بو، الذي يعتبر أحياناً مخترع القصة الحديثة، بأنه " لا توجد هناك كلمة واحدة في كل القطعة لا يكون هدفها المباشر أو غير المباشر موجهاً نحو التصميم الوحيد الذي أسس مسبقاً ". ويعتقد تشيخوف بأنه لا توجد في القصة بداية أو نهاية، لكنه ذكّر المؤلفين بأنهم إذا وصفوا بندقية معلقة على حائط في الصفحة الأولى فيجب أن تنطلق البندقية آجلاً أم عاجلاً. يصف جون هادفيلد القصة القصيرة بأنها "قصة ليست طويلة ". أكد هيو وولبول، في لحظة استيعاب صادقة فريدة من نوعها ان "القصة يجب أن تكون قصة : سجل لأشياء تحدث، مليء بالأحداث والوقائع. حركة رشيقة، تطور غير متوقع يصل الى الذروة من خلال تشويق وحل عقدة مقنع". قال جاك لندن بأن القصة يجب ان "تكون ملموسة ومباشرة ومليئة بالحيوية والحياة وممتعة ومنعشة ومفعمة ". تقول اليزابيث يووين، وهي تتفادى التعريف المادي، بأنه "في البداية تكون الضرورة الأولى للقصة القصيرة هي الحاجة. أي إن القصة يجب أن تنبع من انطباع أو إدراك ملح بدرجة كافية وحاد جداً الى درجة يدفع الكاتب الى الكتابة ". يعتقد أي.جي. أوبرين الذي تدين له القصة في أمريكا وبريطانيا بالكثير، بأن أول اختبار للقصة القصيرة، في أي تحليل نوعي، هو قياس الكيفية التي يجعل الكاتب من حوادثه ووقائعه المختارة مؤثرة بصورة حيوية".
يعتقد اليري سيجويك، الذي هاجم عبقرية همنغواي في"قصة خمسون الف دولار" عندما رفضها بعض الناشرين في أمريكا بأن "القصة تشبه سباق الخيل، البداية والنهاية أهم ما فيها" أخيراً يبني كوبارد نظرية عمله على أساس الفارق الجوهري بين القصة باعتبارها شيئاً مكتوباً والحكاية باعتبارها شيئاً محكياً. تتشابه هذه التعريفات جميعاً في افتقارها الى نهاية مطلقة مقنعة. لم يعرف أحد القصة بدقة محكمة لا تقبل الجدل وتلائم جميع القصص. يعتبر تشيخوف، الحرفي، البداية والنهاية غير مهمتين، في حين يعتبر سيجويك، المحرر، البداية والنهاية كل شيء. مع هذا فكلاهما محقان. سيناسب تعريف هافيلد آلاف القصص لكنه لا يناسب بصورة مقنعة قصص "موت في البندقية" و "سعادة عائلية" و"السيد من فرانسيسكوا".
سيلائم تعريف ولسبول قصص أو.هنري بصورة مدهشة لكنه غير مناسب لدرجة بائسة قصة "الحبيبة" لتشيخوف أو قصة "صقيع في نيسان" لملاكي وايتيكر أو الصور الوصفية الأدبية (العجالة) غير المتوقعة لسارويـان. نحن لا نقيس جمال الطبيعة بشريط قياس. يعتبر مطلب جاك لندن المتعلق بتدبير "الحياة والحيوية" رداً مثالياً على الذين يفضلون الويسكي، لكنه سيضيع مع أولئك الذين صقلت أذواقهم أزهار تورجينيف أو قصة "الموتى" لجويس فقط عندما يؤكد اليري سيجويك في مقالته المتبعثرة جداً التي كتبها للمدارس الأمريكية "عليه تصبح القصة القصيرة كل الأشياء، موقف، واقعة، رسم الشخصيات أو السرد - وفي النهاية تصبح وسيلة لموهبة الإنسان "، نكون قد عدنا مجدداً الى الخاتمة الحساسة بأن للقصة القصيرة - طويلة كانت أم قصيرة شعرية أو تقريرية، محبوكة كانت أو مجرد تخطيط، محسوسة أو نسيجية - انسيابية أزلية ملفتة للنظر تنزلق من اليد. لقد كان هذا رأيي دائماً. يعتبر الانطباع بأن للقصة القصيرة بعض من الطبيعة المختلفة والمتغيرة دوماً للغيمة واحداً يجب فرضه أجلاً أم عاجلاً على كل شخص لا يقرأ فحسب لكنه يحاول تحليل أعمال الكتّاب الذين يختلفون كثيراً أمثال تورجنيف وهمنغواي، شيروود أندرسون وأو.هنري، جورج مور وستيفن كرين، كبلنغ وكاترين مانسفيلد.
هل السحاب أكثر جمالاً ؟
الغيمة الرعدية أو مجموعة الطيور؟
الزرقة الهادئة وبياض الظهيرة أو همجية الغروب ؟
لا يوجد تعريف أو قياس يضم بصورة مناسبة تركيب القصص وتأثيرها وجمالها جميعاً. بما أن السماء ليست مصنوعة من الطابوق لذا من المفيد تذكر أن القصص لم ترصف معاً باستعمال المالج وخيط الفادن. (من أدوات البناء. المترجم ) هناك شيء أخر يجمع هذه التعاريف وتعاريف أخرى متعددة. إنها تغفل جميعاً الإشارة الى مزايا المرونة على صعيد اختيار الشخصية أو توظيف الزمن، التي تتميز بها القصة القصيرة عن الرواية. تعتبر الرواية في الأساس استكشافا للحياة. إنها تعكس وتصف بشك ما تأثير وتورط ونضج وتدمير أو تحقيق الرغبات والعواطف الإنسانية. قالت فيرجينيا وولف "تبدأ الشخصيات يافعة ثم تكبر. تتحرك من مشهد الى مشهد، من مكان الى مكان". كان هذا التطور للشخصية وهذه الحركة الأمامية وستبقى دائماً وأبداً نبض الرواية وعصبها.
أما في القصة القصيرة فليس من الضروري أن يتحرك الزمن إلا بمقدار صغير جداً وليس من الضروري ان تتحرك الشخصيات وليس من الضروري ان تكبر، وفي الواقع قد لا تكون هناك شخصيات مطلقاً. ستصبح الرواية الخالية من الشخصيات عملية مزعجة وتبقى الرواية التي لا تتكلم شخصياتها مطلقاً مزعجة أيضاً. مع هذا هنالك عدد كبير من القصص القصيرة الجيدة التي لم تفتح شخصياتها أفواهها مطلقاً. قد تفرض الروايات التي تُسمَّ شخصياتها ولم تحدد مواقعها أو زمنها على قرائها إجهاداً سيرفضون تحمله عن حق. مع هذا هنالك قصص قصيرة كثيرة فيها شخصيات لا تحمل أية علامة من علامات الهوية أكثر من الصفة العامة المجهولة "غلام" أو "بنت" أو "رجل" أو امرأة، المسافر، الوكيل المتجول، النادلة، الجندي، ولا تحمل دقة طبوغرافية اكثر من الشارع، الحقل أو أي ساحل بين برايتون وخليج بوتاني. قال أدوارد كارنيت بأن "الرواية يمكن ان تكون كل شيء تبعاً لليد التي تستعملها " - تلك حقيقة يمكن تطبيقها بصورة أوسع على القصة القصيرة. تبقى القصة القصيرة طيعة وتستمر في زيادة مرونتها ما دامت الطبيعة البشرية طيعة بصورة محددة ومتنوعة كما هي حالها.
في التسعينات من القرن التاسع عشر كان كبلنغ يكتب عن الهند من وجهة نظر شعبية جداً ومقبولة جداً بحيث أنها ربما قدمت للبريطاني الثمل بأمبراطوريته وجهة النظر الصحيحة الوحيدة خلال الفترة. في أربعينيات القرن الماضي كان لدى الكتاب الهنود الشباب شيء يقولونه عن بلدهم من وجهة نظر لاشك في صحتها مطلقاً وجديدة وحقيقية جداً بحيث بدا كبلنغ متهماً بالتحريف. مجدداً في التسعينات عندما كان أو.هنري ينفذ حيلاً سحرية محكمة من خلال مجموعة مدهشة من المعدات البشرية المضحكة تقبل الناس تلك الأعمال بنفس الحماس العالمي الذي قوبل به كبلنغ، من كان يصدق أن شاباً أمريكيا من أصل أرمني يدعى سارويان وبعد خمسين سنة من ذلك التاريخ سيثبت إمكانية تنفيذ الحيل السحرية من دون معدات بشرية مطلقاً سوى زوج من العيون وآلة طابعة ومنديل لتجفيف الدموع.
خلال مراحل تطورها المختلفة كثيراً ما قورنت القصة القصيرة مع أشكال أدبية أخرى، وأحياناً مع أشكال فنية خارج مجال الأدب. بناء على ذلك أعلن عن وجود علاقات للقصة مع المسرحية والأغنية السردية والسونيتة والقصيدة الغنائية. لقد أظهرت القصة القصيرة نفسها خلال الثلاثين سنة الأخيرة، كما فعلت كتابات كثيرة أخرى، وصفية أكثر منها درامية ترتبط بالرسم والسينما بدرجة أقوى من المسرح. لقد تعلق كوبارد بالنظرية القائلة ان القصة القصيرة والفيلم السينمائي (السينما) تعبيران لفنٍ واحد هو فن حكاية قصة عبر سلسلة إشارات مضمنة بصورة بارعة، لقطات سريعة، لحظات إيماء، هو فن يكون فيه التفصيل والتوضيح مملين وغير ضرورين. وتطور اليزابيث بووين نفس الفكرة : "القصة القصيرة.... في توظيفها للحدث أقرب الى المسرح منها الى الرواية. تنتمي السينما، وهي منشغلة بالأسلوب، الى نفس الجيل.
خلال الثلاثين سنة الأخيرة تقدمت القصة والسينما معاً. هنالك وشائج تربطهما - كلاهما لم يكفله عُرف، وعليه كلاهما طليقان. الا أنهما واعيان حذران ويظهران نظاماً ذاتياً واعتباراً للشكل. كلاهما لديه قضية كبيرة يعمل من أجلها - رومانسية العصر الموجهة ". يعتبر ذلك صحيحاً على نحو مدهش. لم تتقدم القصة والسينما معاً فقط لكنهما - بوعي أو بدون وعي - تعلم أحدهما كثيراً من الأخر. بقايا الأوراق القذرة التي دفعتها الرياح عبر الشوارع الصباحية الفارغة. فتاة تخيط، في محطة قطار، الشق في معطف جيبها بينما يخفيه بواسطة حقيبته. أمٌ تحدق بصمت الى أبنها قاطع الطريق العائد - هذه اللحظات الدقيقة عندما ننظر إليها بصورة متداخلة وبتركيز شديد وبصورة غير مفصلة أو غير مشروحة، تطبع برقة في العقل انطباعات هجران وحب حائر أو يأس أمومي. كل لحظة تعني شيئاً لم يفصح عنه، كل لحظة تبعث إشارة سريعة موجزة على موجة عاطفية معينة معتمدة على جهاز الجمهور العقلي المتناغم ليلتقطها. أعتقد ان ذلك الجمهور يصبح ذا أهمية متعاظمة : إلا أن موقف الكاتب أو المخرج من الجمهور يصبح أكبر أهمية.
هل يجب التقليل من أهمية قدرات الجمهور في الاستقبال والإدراك ؟ ما الذي يحدث في عملية التقليل من الأهمية ؟ قد يأخذ الكاتب شخصية معينة ويصف إضافة الى بناءها الجسماني ووزنها وشاربيها ونظارتها، وملابسها وأسلوبها وتصرفاتها وذوقها في الطعام والشراب أيضاً بدقة متناهية - وذلك من أجل إبعاد احتمال الخلط في الإكسسوارات.كان ذلك هو التقليد المقبول عند عديد من الكتاب فترة من الوقت قبل قرن من الزمان. لقد لعب ديكنز، رغم كونه فناناً، عبر رواياته بذكاء ومكر لعبة التقليل من أهمية القراء، لا بوصف كل شخصية وفق نظام الجدولة* فقط بل لأنه في حالات كثيرة، إذ كان يكتب دائماً قصة مسلسلة تقرأ على شكل أجزاء،أعاد نشر الجدول بعد زمن أعتقد خلاله ان القارئ ربما نَسي البضاعة المعروضة للبيع. كان ذلك مزاحاً جيداً، وفي حالات كثيرة مزاحاً ممتعاً، في رواية مؤلفة من مئتي الف كلمة. لكن تطبيق الطريقة نفسها على القصة القصيرة يشبه تلبيس طفل عمره ستة أشهر قبعة عالية ومعطف فراء - والنتيجة الحتمية هي الاختناق. أعتقد أن هذا هو السبب في ضعف القصة القصيرة في أنكلترة خلال الخمس والسبعين سنة الأولى من القرن التاسع عشر عندما لم يطبق كاتب واحد أسلوباً مختلفاً عن أسلوب الرواية، ثم بزوغها التدريجي والمتصاعد خلال الثلاثين سنة الأخيرة باعتبارها شكلاً مستقلاً يخاطب قارئاً يفترض انه قادر على اعتبار عدة أشياء مفصلة سابقاً، مثل الوصف الجسدي، أموراً مفروغاً منها. لذا يصبح تطور القصة القصيرة ذا علاقة بتطور القارئ العام. علينا الاحتراس من لَعنْ ديكنز، والأعدل لَعنْ عصر مقيد بدرجة كبيرة الى تقسيمات الطبقة والمكان والهوى أكثر مما يحدث الان. لقد وجد ديكنز، الذي غالباً ما نشر رواياته في حلقات شهرية، من الضروري تخصيص بضع مئات من الكلمات واعادة تلك الكلمات بعد شهر اذا كان ذلك ضرورياً لشخصية واحدة. كتب شيرود أندرسون عام 1920 ببساطة قائلاً " كانت أمرأة طويلة صامتة ذات أنف طويل وعينين كالحتين مضطربتين ". عام 1930 كتب همنغواي، في لحظة إسهاب غير معتادة لديه " لبس قبعة مستديرة سوداء ومعطفاً أسود مزررا عند الصدر. كان وجهه صغيراً وأبيض وكانت شفتاه مطبقتين ". كتب بريتشيت عام 1940 " أعتمر قبعة منقعة بالمطر وتعنقد المطر في شعره - كان شعره جميلاً. كان شعره واقفاً ". أستعمل أندرسون أربع عشرة كلمة وهمنغواي إحدى وثلاثين كلمة وبريتشيت ستاً وعشرين كلمة ( في النصوص الأصلية ). حدث شيء ما خلال الفترة الفاصلة بين ديكنز وبرتشيت. هل هو مجرد تطور القصة القصيرة ؟ الا يمكن ان يكون التطور المتوازي للقارئ أيضاً ؟ لقد جعلتنا الثقافة والسفر والاتصال الاجتماعي الأوسع وانتظام الحياة المتزايد والملابس والأخلاق جميعاً معتادين على أمور كنا غير مضطرين لوصفها. لقد رأينا جميعاً اليوم امرأة أندرسون وهي الممثلة المجهولة المأساوية لطبقة جاهلة بأسرها، ورأينا رجل همنغواي العنيف بمعطفه الأسود وقبعته العالية السوداء. ونعرف نموذج برتشيت بشعره الأسود الجميل المنتصب. لقد حرر توسع الاتصال الاجتماعي، من بين أشياء عديدة، الكتاب الثلاثة وجيلهم من التزام جائر. لم يعد الوصف ضرورياً. يكفي أن نلمح. أصبحت الصورة الكاملة بملابس كاملة مع خلفية تصويرية غير ضرورية. يكفي الان ان نعرف امرأة من شكل يديها. بهذه الطريقة لا يمكن رؤية القصة القصيرة باعتبارها حصيلة تطورات عبر أجيال من الكتاب وحدّهم هدف ثوري لجعل القصة تكتب بصورة أكثر بساطة واقتصادا وصدقاً فحسب، وانما باعتبارها شيئاً شكّله القراء أيضاً بواسطة التوسع الاجتماعي وكذلك بما تسميه بووين " ذروات التجربة المشتركة ". لم يحدث، الا في حالات نادرة، مثل هذه الثورة المشتركة بين الكتاب يعمل الكتاب ويموتون ويتركون وراءهم تراثاً. يعتمد الكتاب الأخر ون على بعض هذا الإرث، كما حدث لــ(مانسفيلد) مع تشيخوف، ويتركون الباقي. لكن القراء بدورهم يعيشون وربما ينجحون، وبمقدار قليل جداً، في رفع مستوى التجربة المشتركة والاستقلالية الفنية. يجب أن تكيف القصة القصيرة نفسها مع ذلك المستوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(الجدولة Catalogue. اسلوب شائع في الشعر خاصة يتضمن قائمة ( أو قوائم ) بأسماء الأشخاص والأماكن الأشيـــاء كان يستعمل في السابق للمساعدة في تذكر الأشياء. أشهر الشعراء الذين استعملوا هذا الأسلوب ( ملتن ) و(والت ويتمن)....... المترجم )
  Short Story Theories. Edited by Charles May. Ohio University Press. 1976
من كتاب نظريات القصة القصيرة : تحرير تشارلس مي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أستاذ جامعي، كلية البيان، مسقط، سلطنة عمان


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • أراء خاصة
  • مواضيع المجلة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • فيافي الأقلام
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية
  • إصدارات
  • كلمات في الخاطر

      الجديد :



 الرحيل...

 مقاومة بالمحكي

 تواشيح الورد أنموذجا

 الكاتب والشاعر محمد الدسوقي في قصيدته أرأيتم دمشق:

 أرأيتم دمشق ..؟!

 أرملة العنكبوت للقاصة هيام الفرشيشي: لعبة الكتابة والتلقي

 رواية طمارة كما شاءت.. لمراد البجاوي

 روعة يونس في أعلى من سماء:

 تقديم كتاب: تعارضات المركز والهامش في الفكر المعاصر

 سليمان العيسى... وريث النكبات وشاعرها


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 أيها الأدباء والكتّاب العرب.. في اجتماعكم

 ليالي شهريار الالف

 علي القاسمي يلقي مرساة الغربة في رواية مرافئ الحب السبعة

 إنه العراق...أيها الكون الأحمق

 إشكالية التراث: أسئلة السبعينيات المقيمة

 مقابلة مع السفير الجزائري ابراهيم بن حاصي

 ورقتي.. وذاكَ القلم

 بالأمس كانوا هنا

 استقراء الغيب وكشف المستقبل

 آثار الحقب في لاذقية العرب


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

نعتذر من زوار موقع دليل الكتاب

D a l i l    A l  K i t a b   .   N e t

عن توقف الموقع بسبب التحديث

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
dalil-mag@hotmail.com


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net