يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قراءة في كتاب

 روعة يونس في أعلى من سماء: 

لوحات إنسانية سكبتها بشعورها الجميل
علي .أ. دهيني

أومأت بحروفها المتكتلة بتميّز مفرداتها والمتراصة في تركيب جملها، بمجموعتها القصصية، ورمتها في موعد المكان، لممتها حذِراً كي لا تومىء نقزة من إرماش جفون تضيّع سنة من متعة وأنا أفلفش طياتها.
وكان كما توقعت، تنهدتُ حين أفردتُها أمام عيوني دون أن أزعج سكينتها، تركتها تتمطى وتتثاءب مع شهقة نَفَس تحتاجها رئتاها، فتمد ذراعيها مع إشباك أصابعها لتسترخي أخيراً باسطة أمامي مخزون الكلمات المؤتلفة في مجموعة قصصية جميلة مليئة بالشعور الإنساني والوجدان الأخلاقي، بل في قمة الإبداع الإنساني.
الإعلامية الكاتبة روعة يونسحينما تجد ما تفتقر إليه في زمن معين، أنت تحتاج إلى استعادة ذاكرة طغى عليها غير المألوف، فاعتادت السكن معه، بعيداً عن جذور سعى ـ غير المألوف هذا ـ إلى الحلول بدلاً منها. نحن بحاجة ماسة فعلاً، إلى إيقاظ الروح الإنسانية فينا لتعود دورة التماهي في العلاقات البينية بعيداً عن حالات الانطواء التي غُيِّبت عن نمطية سلوكنا الثقافي الذي تربينا عليه، والقائم على أخلاقيات الشعور بالآخر، وهذا لا يكون إلاّ من خلال الشعور الإنساني الذي يجمعنا بالآخر، البعيد أو القريب.
لا أريد الاسترسال أكثر في هذا، كي لا أفوت على نفسي متعة الحضور الإنساني الباهر في مجموعة "روعة يونس" القصصية، التي أخذتني إلى أبعد شعور إنساني ـ واقعاً أو فضاءاً سردياً ـ  من خلال لوحات إنسانية سكبتها بشعورها الجميل، براعة الرسام وريشته، وليس الكاتب وقلمه وحسب، إذ تتخللك وكأنك تسكن بين الحروف وتشاهد حركة أبطال قصصها، لتؤكد لك ـ كما بعض الأعمال ـ أن الجمال السردي ليس فقط في الرواية الطويلة أو كثرة عدد الصفحات، هي التي تعطي الأهمية لبعض الموضوعات، بل إبداع القاص يمكن أن يغرقك حتى أذنيك بجمالية تقديمه ببعض كلمات أو صفحات، في واحة من الجمال.
في بعض قصصها أعادتني "روعة" إلى قراءة قصص غسان كنفاني حين رسمت حكاية "بس خليك صامد"، و "ودع وسِعفة نخل"و "زواج على الطريقة الفلسطينية".
وأخذتني إلى عالم فيكتور هيغو وهي ترسم العلاقة بين الإنسان والحياة من خلال إعمال ريشة حرفها في رسم لوحة المستشفى بكثير من الحزن الذي ينبلج منه الأمل بكل صفاته "... وألقى على مسمعي محاضرة مختصرة امتزج فيها الشعر مع العلم مع التفاؤل وأهمية الأمل في حياة الإنسان ، وأكد أنه لولا تفاؤله بالحياة لما أشرقت عليه الشمس كل صباح"، رغم أنه يُكلم نفسها في اللحظة الأخيرة، حيث أن هذا الذي كان باعثاً للأمل في نفسها.. "... صباح هذا اليوم هوى بالدكتور نبيل مصعد العمارة التي يقطنها وقضى نحبه"، قالت لها طبيبتها البديلة.
"روعة يونس" تتقن فن رسم الصورة بالحرف بشكل إبداعي رائع، بل تترك أمام ناظريك لوحات إنسانية بتعابير إنسانية جمة، منها ما هو من واقع الحياة ومنها ما عبرت فيه بدقة عن رؤيتها الفلسفية، بخاصة في قصار القصص في أواخر صفحات مجموعتها. 
وأخذتني إلى عوالم الفلاسفة الغابريبن الذين أسسو لفلسفة الوجود، وهي تنقل بعض صور من نافذتها المطلة على النور الإلهي الذي لا تعبر عنه الشمس بضوئها الحاد، بل يجيء تعبيرها بالنور الذي يتخلل النفس البشرية في معرفة الأشياء، كما في قصة "أعلى من سماء" التي رغبتها عنواناً لمجموعتها، أو في قصة "غدا نلتقي".
قد لا تكون هي قاصدة كل هذا بعقلها الواعي، إنما عقلها الباطن كان خزاناً دفاقاً في إخراج هذه الصور الجميلة المتقنة الحرف والجملة. بخاصة حين تتكلم عن الوفاء في قصة "نخوة". وتعكسها تماماً في خيبات قصتا " 4 نقاط" و "رقص".
سأكتفي بلقتطين مَسَكتاني في قصة "تمثال حلب".
ملمحان لفتاني وكانا أكثر بروزاً عند (روعة) من تمكنها اللغوي والسردي الذي شددت التركيز عليه في تقديم عملها، لرسم صورة قادرة على اختراق ذاكرة المتلقي، هما: العنف الدموي الذي يحيل البراءة إلى لحظة موت، فتقول في الأولى "وردة شامية مضرجة بالقاني"، نلاحظ أنها لم تتخلّ عن الصورة الجميلة في ذاكرتها لمدينتها، وبذات الوقت، الغشاوة التي تبسط ضبابها على هذه الوردة، فتستخدم لونها (القاني) وتسبقه بـ (مضرجة). ونحن نعرف أنها من مفرات العنف، وغالباً، تستعمل مفردة (مضرج) للبريء الذي يسيل دمه دون ذنب منه.
الملمح الآخر هو صفة إنسانية قلما يلتفت إليها حوار التناظر في توصيف طبيعة الإنسان بنوعيه: الذكري والأنثوي، فتلتقط جملة إنسانية رائعة تختزن السّمُو الإنساني والتميّز الوجداني، فهي تقول: "المرأة أكثر ثباتاً على العشق، وصبراً على الانتظار".
الحالتان تحتاجان إلى  تميّز أخلاقي أكثر إنسانية، قد لا نجده إلاّ في المرأة، هذا المخلوق المفطور على الصبر والتحمل بصمت، بل أكثر، التحمل بإرادة راضية غير متململة، فهي تحب بروحها مجرد أن تتجه بوصلة القلب، وشرط الإخلاص عندها فقط أن تحب فعلاً، وتالياً إرادة الصبر على الانتظار لأنها تختزن بداخلها هذه الفضيلة ممّا تمثله كأم، فهي تنتظر وليدها تسعة أشهر بما فيها من شعور إنساني نبيل.
هذان الملحان لم يلتفت إليهما السائق حين تفهمه أن التمثال هو امرأة، والمفاجأة الموازية لهذين الملمحين هو أنها لا تعترف بالشكل الخارجي كدليل على النوع الإنساني حين تتواصل مع داخل هذا الإنسان بكينونته الإنسانية من منظورها الوجداني، فهي تحاكي الإنسان كقيمة إنسانية ومدى ما يقدمه هذا الإنسان تعبيراً عن مضمونه.
فرغم المحاكات لسنوات مع هذا التمثال الذي يحاكي بشموخه تاريخ هذه المدينة التي قتلها أهلها، إلاّ أنها وجدت في نفسها غضباً عميقاً، حين رأت أنه تحول إلى رمز للألم والدماء وموت الإنسانية.
من الناحية الفنية، في هذه المجموعة، لا أنسى أن ذوقاً جميلاً وإبداعاً فنياً تكامل مع النسق العام للمجموعة، وهو أنها جعلت عنوان القصة في آخرها وليس في أولها. إن الحداثة ليست بأن تقدم عملاً مسروداً بلغة تجريدية، فقد يمكنك أن تقدم موضوعاً كلاسيكياً بصيغة إبداعية حديثة، بل أيضاً، أن تعرف كيف تكسر هذه الكلاسيكية بلمسة إبداعية ملفتة. 


 


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • أراء خاصة
  • مواضيع المجلة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • فيافي الأقلام
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية
  • إصدارات
  • كلمات في الخاطر

      الجديد :



 الرحيل...

 مقاومة بالمحكي

 تواشيح الورد أنموذجا

 الكاتب والشاعر محمد الدسوقي في قصيدته أرأيتم دمشق:

 أرأيتم دمشق ..؟!

 أرملة العنكبوت للقاصة هيام الفرشيشي: لعبة الكتابة والتلقي

 رواية طمارة كما شاءت.. لمراد البجاوي

 روعة يونس في أعلى من سماء:

 تقديم كتاب: تعارضات المركز والهامش في الفكر المعاصر

 سليمان العيسى... وريث النكبات وشاعرها


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 الكلمة للمبدعين الجدد في معرض الكتاب الرابع بالبيضاء

 "الإيدز" .. يطرق أبواب المسرح المدرسي

 «الشعر يضيء حراً» في ملتقى الشعر في النجف

 آنسات أفينيون-2

 أرأيتم دمشق ..؟!

 مجموعة إصدارات

 المواطن المجهول*

 غواية الحب والحكي

 إنها الصين التي استيقظت ... وأيقظت العالم

 المقاومة في الرواية اللبنانية


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

نعتذر من زوار موقع دليل الكتاب

D a l i l    A l  K i t a b   .   N e t

عن توقف الموقع بسبب التحديث

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
dalil-mag@hotmail.com


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net