|
آمـال آيـة الـله العظمى وذكريـاته
السيد محمد حسين فضل الله، من المراجع الدينية الكبيرة التي يحسب لها حساب في مواقفها الدينية والسياسية لقدرتها على القراءة الموضوعية في كِلا المجالين. في المقال التالي الذي تناول بعضا مما سجلته الصحافية منى سكرية في كتابها بقراءة ميلود بن غربي، والتى يتناول فيها الأبعاد الفكرية والثقافية والفقهية والدينية كما سجلتها المؤلفة عبر لقاءاتها المتوالية مع السيد محمد حسين فضل الله ، يسلط الكاتب الضوء على بعض مفردات السيد التي تعتبر مرتكزا في اطلاق الحوار مع الآخر.
وقد جاء في المقال الذي نشرته جردة النهار : " ... كتاب "عن سنوات ومواقف وشخصيات" الصادر لدى "دار النهار"، عبارة عن حوارات أجرتها الكاتبة الصحافية اللبنانية منى سكرية مع العلامة السيد محمد حسين فضل الله. مع ذلك فإن هذه النصوص لم تكن في لقاء أو لقاءين، على غرار جُل الذي دُبح فيه الحوار الطويل الذي أجراه إيف بيرتيلو مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي، بل إن ما قامت به الكاتبة هو تجسيد لفكرة طالما ساورتها منذ زيارتها الأولى للسيد عام 1983 لفهم أبعاده الفكرية والثقافية والفقهية والدينية، وقد تمت اللقاءات الصحافية للكاتبة بانتظام حتى بعدما قام الطيران الحربي الاسرائيلي بتدمير منزل السيد بالكامل. يعتبر فضل الله ان استمرار المقاومة يحاصر اسرائيل كما يحاصر الولايات المتحدة، لانه يجعلهما يعيشان المأزق كما يعيش الفلسطينيون. فقد قامت اسرائيل على اغتصاب ارض شعب آخر ومن غير الممكن التعايش معها، لأنها لا تعير الآخرين وزنا، معتبراً إياها سرطانا يجب استئصاله والتخلص منه بالتخطيط المنهجي السليم والذي يحتاج الى ارادة حقيقية، ما دامت اسرائيل تتلقى الدعم الاميركي من دون شروط او تحفظ. فالولايات المتحدة عندما تساعد الدول الاخرى تفرض عليها شروطاً معينة في إنفاق هذه المساعدات، اما بالنسبة الى اسرائيل، فإن المساعدات التي قاربت 140 مليارا من الدولارات منذ تأسيس اسرائيل حتى الآن لا تسأل الولايات المتحدة عن كيفية صرفها. ترتبط قضية التخطيط بمسألة جوهرية اخرى هي الاصلاح الديني، وعلى هذا الاساس فإن فضل الله من القلائل ممن يواكب اصدار فتاوى فقهية تتعلق بالتطورات العلمية من منطلق ديني شرعي. من بين تلك الفتاوى، فتواه بإجازة الاستنساخ. فوفقاً لرأيه، يرى أن العلم خير بكل نتائجه، لكن المسألة التي تجعلنا نتحفظ هي في طريقة استخدام العلم، بالخير كما بالشر، لذلك، ومن خلال درسنا مسألة الاستنساخ، فإن السؤال هو: هل إن نتائج الاستنساخ تصادم العقيدة الدينية؟ وهل يتحول الانسان الى خالق لتسقط العقيدة بما ان الله وحده هو الخالق؟ وفي رأيه أن المسألة التي لا بد من أن نبحثها هي مسألة الخلق، أي أن يخلق العلماء قانوناً جديداً ليس له سابقة في القوانين المودعة في الكون من قبل الله. فالاستنساخ ليس عملية خلق في العمق، لكنه إنتاج جديد في السطح او في العمق، فالكائن الحي، إنساناً أكان أم حيواناً، يولد من خلية مقسمة بين النطفة والبويضة، وهذه الخلية تختزن ستة وأربعين من الكروموزومات تتوزع بين النطفة (23) والبويضة (23)، فاذا التقتا وحصل التقليح، تكون الخلية اكتملت وولد الكائن الحي. فالذين يمارسون الاستنساخ اعتمدوا هذا القانون، وحاولوا ان يأخذوا خلية حية فاعلة كاملة وان يفرغوا البويضة من محتواها من الكروموزومات، ليضعوا فيها محتوى هذه الخلية، فتعطي النتيجة نفسها التي تحصل خلال إلتقاء البويضة بالحيوان المنوي. القانون ثابت، لكن الانسان تحرك من خلال التفاصيل، وتالياً لم يتحول الانسان الى خالق، بل الى منتج في الشكل على أساس القانون الذي وضعه الخالق. وفي موضوع ذي صلة أيضاً يتمثل في التحكم بالجينات التي تحدد العلامات الوراثية، يقر العلاّمة أن لا مشكلة فقهية في ذلك، ولا مانع من التدخل بعد تلقيح البويضة في تغيير الخصائص الموجودة في داخلها، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأحكام الشرعية تتصل بمفاهيم الحياة والموت ومنها ما يتصل بالأهم والمهم في الحاجات الانسانية. من هنا، فإن الطب قد يكون مرجعاً للدين في كثير من موضوعاته، وهذا هو الذي يجعلنا نشعر بضرورة ان تكون هناك علاقة عضوية بين الدائرة الدينية في المسألة العلمية الفقهية وبين مختلف الدوائر الثقافية والعلمية بما فيها الدائرة الطبية. قد تكون فتاوى السيد محمد حسين فضل الله ومواقفه استقت جوهرها من عبارة استخدمها كثيراً "إنسانية الانسان" والتي لا يبدو انه يستعملها كنوع من المبارزة الكلامية، وانما لأن هذين اللفظين يختصران جوهر الانسان في علاقته بالله، وتالياً بنفسه، في امتداده الى الانسان الآخر، ليتكامل في تحقيق ذاته الانسانية بكل أبعادها. وهذا ما قد يفسر شجب العلاّمة لحرق أعلام الدول الاخرى وتدنيس رموزها الوطنية، لأنها رمز الشرف لكل مواطن في تلك الدول، فلماذا تتم الاساءة الى المواطنين في هذا البلد او ذاك وتوليد الحقد والكراهية. وهذا ما يفسر كذلك ثراء مساهمات فضل الله في نظرية الحوار، على ضوء النص المقدس، حيث وضع في هذا الإطار مؤلفات عدة منها "أسلوب الدعوة في القرآن" و"الحوار في القرآن". إجابته عن السؤال الذي طرحته منى سكرية في الصفحة 243 يثبت ذلك: هل "الاستنفار العربي" الذي شهدناه ضد "حزب الله" لجهة ما حققه في لبنان، هو إستنفار إستباقي ضد المشروع الايراني، خوفاً من أن يتخطى حدود المساحة العربية؟ وكان الجواب: نحن نعتقد أن علينا ان نطور مسألة الخلافات السنية – الشيعية بحيث نحجّم كثيرا من الحالات التي تحولت الى حالات نفسية بدل ان تكون حالات موضوعية، ونحاول ان نضع الماضي في دائرته الخاصة، لنأخذ منه الدروس في قضايا النصر والهزيمة والوحدة والخلاف. إن علينا ان نتجاوز المسألة التقليدية في إدارة مسألة الخلاف السني – الشيعي لأن المشكلة هي في الكثير من التصرفات السلبية التي تحدث من هذا الجانب او ذاك الجانب، في عملية تكفير هنا او سباب ولعن هناك، لذا علينا ان نعمل على تطوير الأسلوب الذي يحكم خلافاتنا ويجعلنا نتقبل الآخر. في طبيعة العلاقة التي تجمع بين السيد محمد حسين فضل الله مع السيد حسن نصرالله، يذكر العلاّمة أن "السيد نصرالله كان يتردد على مسجد النبعة، وكان تلميذنا، وكان يدرس في المسجد، وعاش في اجوائنا الاسلامية، وكان يقول انه يرى المثل الاعلى في فلان (أي سماحة السيد فضل الله)، وكان يتردد عليَّ دائماً مع المرحوم السيد عباس الموسوي وكانا يستشيرانني في الكثير من القضايا، وخصوصا انني أنا الذي ساعدت السيد عباس الموسوي على اقامة الحوزة الدينية في بعلبك والتي تخرج منها السيد حسن نصرالله، وانطلقت العلاقات بشكل جيد، حتى دخلت بعض التعقيدات التي تتصل بالعلاقة مع بعض الاخوة في ايران، والعلاقات الآن جيدة، وهو رجل أقدّر ذكاءه وعناصر شخصيته وإخلاصه في المسألة الفلسطينية، وقضية المقاومة، وفي المسألة الاسلامية العامة". أما في علاقته مع المفكر الاسلامي راشد الغنوشي فيقول: "راشد الغنوشي لي علاقة صداقة معه، وقد التقيت به في لبنان خلال المؤتمر القومي – الاسلامي، لأنه كان يريد حضوري للمؤتمر، وزارني وقال لي إننا نشجع محازبينا على قراءة كتبك". وعن موقع حسن الترابي في الفكر الاسلامي: "لم يكن لي علاقة به ولا أعتقده مفكراً اسلامياً بالمعنى الذي يفكر فيه مثلا الشيخ راشد الغنوشي، كان رجلا يملك شخصية تختزن طموحات السلطة وكان يبحث عنها".
ميلود بن غربي / النهار 20/7/2007
|