|
عن دار منشورات «حركة الريف الثقافية» اصدر عبد الإمام نون كتابه الجديد بعنوان «تجارب دول العالم الثالث في التنمية» ـ نماذج مختارة ـ وهو كتاب مهم، بعمليته التنموية، في تحديد مجموعة من التحديات التي تواجه دول العالم الثالث، وهي تدخل الألفية الجديدة، من اجل تحقيق اهدافها الاقتصادية، المالية، الاجتماعية، الصحية، في التقدم وتوفير عوامل النجاح.
بعد المقدمة النطرية التي تحدد الاهداف الاساسية للتنمية، نقرأ عرضا نطريا علميا لعوامل النجاح الاقتصادية ـ الاجتماعي في علاقته بعملية التنمية، فدول العالم الثالث التي خاضت تجاربها في التنمية، كان لكل منها سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وأساليب تطبيقها، فالتجربة التنموية التي يمكن ان تنجح في دولة عالم ثالثية ما، لا تعتبر بالضرورة نموذجا يحتذى لدولة اخرى. ويؤكد عبد الإمام نون «أن التحديات الحقيقية التي تواجهها مجتمعات تلك الدول للنهوض بالإنسان، محور التنمية، تكمن في تحسين ادارة التنمية، وتحقيق نجاح السياسات الاقتصادية ورفع كفاءة المؤسسات العامة والخاصة لزيادة المردودية، ومكافحة البطالة، ومعالجة المسائل المصرفية عبر الاحاطة الشاملة بكافة الابعاد الاجتماعية ـ الديموغرافية ـ الصحية ـ التربوية ـ التقنية التي ترتبط بالمسائل المصرفية ارتباطا مباشرا. يرسم نون ستة عوامل تعتبر عوامل مشتركة لاي عملية تنموية. ويرى نون ان العملية التنموية يمكن ان تتسارع اذا توافقت مع اهتمامات السلطة ومشاركة المجتمع، وبذلك تشكل السلطة عامل دفع وتنشيط لدور القطاع العام الذي يشكل نجاحه شرطا ضروريا لنجاح القطاع الخاص، فاهتمامات الدولة بالبنية التحتية من كهرباء وماء وجسور وطرقات يجب ان يوازيه اهتمامها بقطاع الصناعة والزراعة والتعليم والصحة، والاهتمامان هذان يشكلان مرتكزين اساسيين من ركائز التنمية. اما عزوف الدولة عن رعايتها للنشاط الانمائي فيمكن ان يشكل عائقا امام حركة التنمية وامام تطلعات المجتمع لتحقيق أهدافه. تنويع مصادر الدخل يشدد نون على ضرورة تحقيق معدلات نمو مرتفعة في الناتج المحلي الاجمالي وذلك من خلال تطوير قطاعات الانتاج المختلفة والاعتماد على تنويع مصادر الدخل، دون الاعتماد على انتاج وحيد الجانب، سواء سلع زراعية او مواد اولية»، بما يدفع الى «تقليل الحاجة الى الخارج في تأمين السلع الضرورية، من خلال توفيرها محليا، خصوصا السلع الزراعية او الصناعات الخفيفة، وبالتالي خفض انسياب العملات الاجنبية الى الخارج للاعتماد عليها حقا في استثمار مشاريع انتاجية اخرى تهدف الى تلبية حاجات السوق المحلية، بما يساعد على دعم الانتاج المحلي وقيام صناعات محلية بالاعتماد على مواد اولية وزراعية وصناعية، متوفرة محليا مما يشكل دعما اضافيا للانتاج المحلي، من خلال خفض تكاليف الانتاج، ويتيح القدرة التنافسية في الاسواق، وهذا بدوره يساهم في دعم الاقتصاد المحلي لدول العالم الثالث في مواجهة التبعية للاسواق الخارجية». كما ان زيادة الانتاج في قطاعي الزراعة والصناعة تدفع القطاع الثالث ـ قطاع الخدمات ـ لتلبية حركتهما ولدفع وتيرة حركة الصادرات والواردات التي يحتاج إليهما الاقتصاد الناشط المتولد عن قطاعات الانتاج المتداخلة. وبذلك تتكامل دائرة الانتاج الوطني وترتفع معدلات الانتاج. الحصول على التكنولوجيا الضرورية يشير نون الى ضرورة الحصول على التكنولوجيا في المسائل التي تتطلب جهودا كبيرة على مستوى الخلق والابداع التقني، فانتاج التقنيات الحديثة المتطورة ليس من اليسير في دول العالم الثالث التي لا تزال ظروفها الاجتماعية ومستوى تطورها العلمي والاقتصادي دون ملاءمة الخبرات والكفاءات العلمية المطلوبة لتساهم في توليد مستويات تقنية متطورة. لذلك نجد ان معظم الدول النامية تعتمد في الحصول على تقنياتها على الاسواق الخارجية. وهنا يؤكد نون ان الاهتمام بالبحث العلمي من خلال انشاء مؤسسات ومراكز تستطيع ان توفر سائر متطلبات البحوث والمختبرات وتحفيز العاملين فيها وتوفير سبل عملهم، وتطوير وسائل البحث العلمي وتوفير مناخات تقدمه، والاهتمام بالمستويات العلمية، يهدف إلى رفع كفاءة المجتمع ويساهم في خلق الأيدي المحلية القادرة على توفير أساليب وطرق للاستخدام في الانتاج المحلي. تغيير أنماط الاستهلاك يعتبر نون ان دفع العملية التنموية الى الأمام يستند الى ضرورة توجيه أفراد المجتمع نحو تغيير أنماط استهلاكهم. فمجتمعات دول العالم الثالث وما يشوبها من تشابك في أنماط استهلاكها وسلوك افرادها، خصوصا في ما يتعلق بأساليب استهلاك اصحاب المداخيل المرتفعة الذين يجب ان يتجنبوا التشابه والتقليد مع سلوك افراد اصحاب المداخيل المرتفعة في الدول الصناعية المتقدمة، وخصوصا التشابه والتقليد في المظاهر التفاخرية، الأمر الذي يؤدي الى رفع الميل الحدي «للاستهلاك الاتباعي»، بما يقلل من قدرة هؤلاء الافراد على الادخار ويدفعهم الى تبذير الموارد المتاحة في ظل مجتمعات نامية تختلف في مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية عن مستويات الدول الصناعية المتقدمة. الأرياف والمدن كذلك يرى نون ان تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال اعادة توزيع الدخل والثروة من اجل استفادة جميع المناطق وعموم السكان، خصوصا الأرياف، هو الذي يضمن تثبيت المواطنين في أماكن سكنهم من خلال تطوير مناطقهم وتوجيه بعض الموارد للاستفادة منها في مشاريع انتاجية، زراعية ? صناعية، وزيادة اهتمام الدولة بهذه المناطق، عبر توفير المستلزمات الضرورية لتطويرها، وتوفير الحاجات الأساسية لسكان الأرياف ? ماء، كهرباء، هاتف، وطرق مواصلات، مدارس، مستشفيات ? ووسائل خدماتية اخرى مرتبطة بكافة شؤون التعليم والصحة، ما يهيئ الاجواء للسكان الريفيين للاستقرار في الريف ويسهم في تنشيط القطاع الزراعي وإتاحة الفرصة لاقامة صناعات يدوية خفيفة، تنعكس ايجابا على العاملين فيه، عبر زيادة انتاجيتهم ومردوديتهم ومداخيلهم، وتوفير فرص عمل جديدة للعاملين في الأرياف. لكن الانجازات الاقتصادية والتنموية لا يمكن ان تحصل في ظل الهواجس والتوترات الامنية التي تجعل السياسات المالية والنقدية قاصرة عن تحقيق اهدافها الحيوية في المجتمع. أهمية القطاع الخاص لا ينتبه نون الى ان النمو الاقتصادي يتطلب جهود القطاع الخاص في نطاق بيئة استثمارية وتنظيمية ورقابية مسؤولة اجتماعيا، تأخذ بعين الاعتبار ارشادات الخبراء البيئيين ? الاقتصاديين وحلولهم. والاعتماد فقط على القطاع العام، لم يعد ممكنا لأجل نمو يخلق فرص عمل جديدة. وهنا يؤكد نون «ان تكامل الأدوار بين الدولة لايجاد بيئة معززة للاستثمار الخاص مع دور فاعل للقطاع العام من اجل الحفاظ على سلامة سياسات الاقتصاد الكلي، يتطلب وضع آلية لتحديد أولويات الانفاق العام، وتوفير فرص مناسبة لمبادرات القطاع الخاص، وهذه الآلية ينبغي على حكومات دول العالم الثالث ان ترسمها من اجل ان تحدد اولويات الانفاق العام، حسب ظروف وأوضاع ومناخات كل بلد منها. مؤشرات التنمية واذ يشير هذا الكتاب في فصله الثاني الى مؤشرات التنمية الاقتصادية في القطاع الصناعي وفي القطاع الزراعي وفي قطاع التجارة والخدمات ذاكرا ارقاما علمية تستند الى «برامج الأمم المتحدة الانمائية» من عام 1992 الى عام 2005 وتستند الى التقارير الاقتصادية العربية الموحدة الصادرة عن «صندوق النقد العربي» من عام 1986 الى عام 2005 والى مجموعة من المراجع الاقتصادية العلمية الآسيوية التي تهتم بشؤون «ماليزيا» و«كوريا» و«الصين الشعبية»، فان هذا الكتاب، في فصله الثاني، لا يهمل المؤشرات الاجتماعية العالم ثالثية التي تستند الى هذه المراجع، كما لا يهمل المؤشرات الصحية والديموغرافية، ما يجعل القسم التطبيقي لهذا الكتاب، في القسم الثاني، معالجة علمية للمسيرة التنموية لكل من «دولة الامارات العربية المتحدة» و«جمهورية مصر العربية» ثم لدولة «ماليزيا»، ومنها لدولة «كوريا الجنوبية» وصولا الى «الصين الشعبية»، العملاق الاقتصادي الذي خرج من القمقم، ويفرض نفسه اليوم على الساحة الدولية. ختاما، لا بد من التنويه بأهمية هذا الكتاب وبجدوى قراءته لكل من يبحث عن فهم علمي للمسائل والقضايا التنموية التي اصبحت من هموم هذا الكوكب الاساسية.
السفير 21/7/2007
|